بوصفها كاشفة عن الموقف الشرعي ، فيكون الموقف هنا من تعارض الحجّة مع الحجّة ، وكأنّه يقترب من تعارض ما هو في قوّة اليقيني المتواتر مع الظنّي الحجّة ، فانتبه .
وقفة تقويمية لنظريّة سقوط الخبر بعدم عمل أهل المدينة به
والصحيح هنا - بصرف النظر عن الموقف من أصل نظريّة عمل أهل المدينة - أن يقال ما هو قريبٌ مما قاله القاضي عيّاض اليحصُبي ، مدافعاً عن المذهب المالكي ، ومحاولًا تبرير الموقف في هذه القضيّة « 1 » ، ونحن نبيّن كلامنا ببياننا وملاحظاتنا التي قد تكون متداخلةً بعض الشيء :
أوّلًا : حتى يصحّ هذا الكلام هنا ، يجب أن يكون عملُ أهل المدينة في العصر النبوي أو الفترة القريبة جداً بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا مطلقاً ؛ لأنّ تمادي الزمان قد يغيّر عادات أهل المدينة أنفسهم ، لا سيما مع اجتهادات الصحابة ، فلا يُحرز نشوء عاداتهم عن التعاليم النبويّة في هذه الحال ، والقرن الهجريّ الأوّل مدّةٌ بعيدة .
ثانياً : هذه النظرية تخصّ مجتمع المدينة ، انطلاقاً من غير عقيدة مثل المذهب الإمامي ؛ وإلا فبإمكان الشيعة - لو صحّت - تعميمها للمجتمع الشيعي المقرّب من الإمام من أهل البيت عندهم حتى في القرن الثاني الهجري ، وهذا ما يسمّى عند الإماميّة بالسيرة المتشرعيّة .
ثالثاً : لو تأكّدنا من انطلاق عُرف أهل المدينة أو إجماعهم من اجتهادٍ وحدس أو احتمل فيه ذلك ، لم يعد يمكن الأخذ بعرفهم وإجماعهم ؛ لأنهم سيُحسبون مجتهدين كسائر مجتهدي الإسلام ، ولا مزيّة لاجتهادهم توجب الرجوع إليهم تعبّداً ، حتى لو كانوا أقرب إلى النبيّ ومعايشته ، فهذا لا يفرض حجيّة اجتهادهم ، بل غايته أنّه يفرض قرينة قوّةٍ فيه ، كما هو واضح .
هامش
( 1 ) انظر : اليحصبي ، ترتيب المدارك 1 : 40 وما بعد .