تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحديث الشريف (حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج) — صفحة 280

مساهمون:

ص٢٨٠
من هنا ، كان سلوك وعادات وعمل أهل المدينة كاشفاً عن الموقف النبويّ ، والأقرب للتعبير عنه ، من مجتمعاتٍ وُلدت بعد ذلك في الإطار الإسلامي كالكوفة والبصرة والشام وخراسان والري والفسطاط وبغداد و . . مما اختلطت فيه الثقافات والآراء والاجتهادات والميول والقوميّات واللغات و . . فكان مجتمعُ المدينة في القرن الأوّل هو الأقرب إلى عفويّة الإسلام وبساطته وروحيّته الأصليّة ، ولهذا كان أكثر تعبيراً عن الموقف النبوي وانعكاساً لما أجراه النبي وخلقه من عادات وأعراف ومسلكيّات . وتعدّ المراسلة التي وقعت بين مالك بن أنس ( 179 ه - ) والليث بن سعد ( 175 ه - ) ، حول هذا الموضوع من الوثائق التاريخيّة الأقدم التي توضح لنا منهج مالك في هذا الأمر ، ومواقف معارضيه فيه ، وهي من النصوص القليلة لمالك شخصيّاً في أصول الفقه ، حيث جاء في رسالة مالك إلى الليث ما نصّه : « من مالك بن أنس إلى الليث بن سعد ، سلامٌ عليك . . واعلم رحمك الله أنّه بلغني أنك تفتي بأشياء مخالفة لما عليه جماعة الناس عندنا وببلدنا الذي نحن به ، وأنت في إمامتك وفضلك ومنزلتك من أهل بلدك وحاجة من قِبَلَك إليك واعتمادهم على ما جاء منك حقيقٌ بأن تخاف على نفسك ، وتتّبع ما ترجو النجاة باتّباعه ، فإنّ الله عزّ وجل يقول في كتابه :
( وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ )
، قال تعالى :
( الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ )
. فإنّما الناس تبعٌ لأهل المدينة ، إليها كانت الهجرة ، وبها نزل القرآن وأحلّ الحلال وحرّم الحرام ؛ إذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم ، يحضرون الوحي والتنزيل ، ويأمرهم فيتّبعونه ويسنّ لهم فيتبعونه ، حتى توفّاه الله واختار له ما عنده صلّى الله عليه وسلّم ، ثم قام من بعده أتبع الناس له من أمّته ممّن ولّي الأمر من بعده ، فما نزل بهم مما علموا أنفذوه ، وما لم يكن عندهم علمٌ فيه سألوا عنه ، ثم أخذوا بأقوى ما وجدوا في ذلك في اجتهادهم