ورغم إقرار السيّد الحائري بهذا كلّه ، حاول - بلا جدوى - أن يوحي بأنّ عدم عمل العقلاء بهذا الخبر غير واضح كوضوح عدم عملهم بالخيرة والتفأل « 1 » ، فهل لابدّ أن يكون الوضوح واحداً ؟ ثمّ إنّه يكفي عدم وضوح عملهم للتوقّف في الاعتماد على السيرة .
فالصحيح أنّه إذا فُقد الوثوق أو الظنّ ، بناء على الوثوق أو الوثاقة ، فلا حجيّة للخبر ، لكنّه لا يصحّ اعتبار مطلق الإعراض موجباً - نوعاً - لانعدام الوثوق أو الوثاقة بما فيها من الوثوق كما تقدّم سابقاً . والاعتماد على الأدلّة اللفظيّة غير صحيح بعد كونها مشيرات للمرتكزات العقلائيّة كما ألمح إليه الأستاذ الهاشمي هنا « 2 » ، وبحثناه مفصّلًا في كتاب حجيّة الحديث .
الوقفة الخامسة : حاول السيد الصدر تأييد كلامه ببعض الأخبار العلاجيّة ؛ من حيث إنّ التعارض يوجب سقوط حالة الوثوق بكلّ خبرٍ على حدة ، أو حالة الوثوق الناتج عن الوثاقة ، ومع ذلك سألوا عن الترجيح ، مما يدلّ على الحجيّة في الخبرين المتعارضين في نفسهما ، رغم انعدام حالة الظنّ بهما معاً « 3 » .
وقد أجبنا في كتاب حجيّة الحديث بالتفصيل عن الاستدلال بأخبار العلاج على حجيّة الخبر الظنّي فلا نعيد « 4 » ، وما قلناه هناك يجري هنا بعينه ، وأنّ المعيار في حجيّة الخبر في باب تعارض الحجّة بالحجّة ، هو كون الخبر حجّةً لولا التعارض ، ولا يلزم أن يحصل يقين بحجيّة الخبرين معاً حال التعارض أيضاً ، والسائل إنّما يسأل لعلمه بصدق أحد
هامش
( 1 ) انظر : الحائري ، مباحث الأًصول ق 2 ، ج 2 : 588 - 589 ، الهامش .
( 2 ) انظر : الهاشمي ، أضواء وآراء 2 : 312 .
( 3 ) انظر : مباحث الأصول ق 2 ، ج 2 : 590 - 591 .
( 4 ) انظر : حيدر حب الله ، حجيّة الحديث : 509 - 516 . ولابدّ من الإشارة إلى أنّ بعض أجوبتنا هناك لا ترد على السيد الصدر ، بل على المشهور القائلين بأنّ الحجيّة بملاك الظنّ الحاصل عند العبد شخصاً أو نوعاً ، فتأمّل جيداً .