فيما نحن لاحظنا محتفّات هذا الخبر وأنّها تفيد فيه اليقين ، ومثل كونهم فهموا منه شيئاً أثّر في إعراضهم عنه فيما نحن لم نفهم شيئاً من دلالته يبرّر الإعراض ، ومثل أن يكون لقراءتهم الاجتهاديّة لمنظومة الفقه دوراً مؤثراً في هذا المورد ، وهكذا .
هذا ، وتبعاً أيضاً في ذلك كلّه لما قلناه غير مرّة من أنّ مسألة مواقف المتقدّمين وتأثيرها على الفقيه اليوم ناتجة عن طبيعة رؤيتنا للتراث عموماً ، ومديات تعاملنا التقديسي معه .
وهذا كلّه يعني أنّ الوهن مسألة موكولة إلى الواقع التجريبي الميداني للفقيه في استنباطاته الفقهيّة أو غيرها ؛ ولا نستطيع أن نفرض عليه قانوناً . وطرائق نظر الفقهاء للأمور مختلفة ، ومن ثم فقاعدة الوهن - كقانون الجبر - قاعدة ناتجة عن تجربة الفقيه ، لا أنّها قبليّةٌ مُسقطة مسبقاً على تجربته ، فتأمّل جيداً ، وإن كنّا نعتقد بأنّ موارد هذه القاعدة ستكون معتداً بها وليست قليلة ، على خلاف ما نظنّه في موارد قاعدة الجبر .
لكن ، لو قيل بأنّ معيار الحجيّة على مسلك الوثوق هو الوثوق النوعي وجوداً وعدماً ، فقد يقال هنا بانعدام الوثوق لنوع الناس بإعراض المشهور ، حتى لو ظلّ هذا الوثوق عند هذا الفقيه شخصاً أو ذاك ، إلا أنّه قد سبق منّا التحقيق بأنّ مقولة الوثوق النوعي ومعياريّتها في الحجيّة غير صحيحة موضوعاً ؛ لأنّ الذي لم يحصل لديه وثوق النوع على المستوى الشخصي إنّما يعتقد بأنّ النوع لا يحصل لهم هنا وثوق ، وإنّما حصل لهم لعدم التفاتهم لما التفت هو إليه من عناصر موثرة في تحصيل الوثوق أو انعدامه ، نعم ينفع الوثوق النوعي لإسقاط معياريّة الوثوق وجوداً وعدماً في حالة الشخص الوسواسي غير السويّ في بناءاته الوثوقيّة .
ولا بأس أن نشير أخيراً إلى أنّ السيد محسن الحكيم اعتبر في بعض كلماته أنّ العمل بما أعرض عنه الأصحاب يوجب تأسيس فقهٍ جديد ، مريداً بذلك ترجيح روح قاعدة الوهن « 1 » ، وهذا ما يمكن افتراض أنّه يقف في كثير من الأحيان خلف ذهابهم لهذه
هامش
( 1 ) انظر : الحكيم ، مستمسك العروة الوثقى 5 : 91 .