ولهذا لم يذكروها في كتبهم ، فيكون الإعراض الحديثي كالإعراض الفقهي أو لا ؟
لم نجد - بتتبّع الكلمات هنا - سوى موقفين :
الموقف الأوّل : وهو ما ذهب إليه السيّد المجاهد وصاحب الفصول « 1 » ، من أنّ عدم ذكر روايةٍ في الكتب الأربعة لا يُبطلها ، وإلا لسقطت كلّ الروايات الأخرى وما أكثرها ! والأمر عينه يمكن ذكره عند أهل السنّة بين الصحيحين وما سواهما من كتب الحديث .
الموقف الثاني : وهو ما اختاره السيد مصطفى الخميني ، حيث اعتبر أنّ هذا يوجب حصول وهنٍ إجماليّ بحسب تعبيره « 2 » .
والذي يبدو لنا هنا أنّ هذا الموضوع أكثر أهميّة من ذلك ، إذ قد يُدّعى أنّ إعراض المحدّثين عن خبر قد يكون أقوى في الوهن من إعراض الفقهاء ، ولكي نطرح تصوّراً متكاملًا نقول :
إنّ إعراض المحدّثين أو أحدهم - وليس من الضرورة مشهورهم - عن روايةٍ له حالات :
الحالة الأولى : أن نُحرز ونعلم أنّ هذا المحدّث لم يطّلع على هذه الرواية ، ولذلك لم يذكرها في كتابه ، ولو أنّه اطّلع عليها لذكرها ، وفي هذه الحال لا شك ولا ريب في عدم دلالة عدم ذكره لها على إعراضه عنها ، فضلًا عن أن يُوجب ذلك وهن هذا الحديث ، إلا على قاعدة لو صحّ لتوفّرت الدواعي لنقله ، فكيف لم يطّلع عليها مشهور المحدّثين ، وسيأتي تحقيقها لاحقاً بعون الله .
ويقع ذلك عادةً في الأحاديث التي تتداول بين مدرسة حديثية نائية جغرافياً ، وليس لها أجيال متلاحقة من العلماء ، وليس بينها كثير علاقة بسائر المدارس من خلال أسفار المحدّثين ، كما لو كانت في بلاد ما وراء النهر في القرن الهجري الثالث .
هامش
( 1 ) انظر : مفاتيح الأصول : 336 ؛ والفصول الغرويّة : 311 .
( 2 ) الخميني ، كتاب الطهارة 1 : 157 .