خوف على الهويّة ؟ فلماذا عندما نصل إلى كتب الحديث والفقه يظهر الحظر أو القطيعة ؟ هل السنّي في علوم اللغة يمكن أن نرجع إليه لننظر في تراثه ونستفيد منه فيما لا نرى عنده فيه من خطأ ، وهناك يكون صادقاً وخبيراً ، أمّا في كتب الحديث فلا ؟ ما هو السبب الموضوعي العلمي في هذا الأمر غير أزمة الثقة العامّة التي تمثل تراكمات الصراع المذهبي لا أنّه توجد خصوصية علميّة في الموضوع ؟
ولعلّه لهذا نجد المحقّق القزويني يورد نقضاً على الذين يُشكلون على علم الرجال بأنّه يرجع إلى المصادر الرجاليّة غير الإمامية كابن فضال الفطحي وابن عقدة الزيدي بالقول بأنّهم يرجعون لكتب أهل اللغة بفروعها ، وغالب مصنّفيها من غير الإماميّة « 1 » ، مع أنّ الانحيازات المذهبيّة لم تبتعد أحياناً عن كتب اللغة ونتائجها أيضاً كما يعرف المختصّون .
التعليق الثالث : إنّ ما نتحدّث عنه هنا هو رفض إصدار حكم مسبق على التراث الحديثي للمذاهب الأخرى ، أمّا لو أنّ شخصاً إماميّاً ذهب وبحث في كلّ كتب الحديث السنيّة مثلًا ، وتوصّل إلى وجود خلل مشترك فيها يؤثر في كلّ قيمتها التاريخيّة ، وقدّم شواهد على ذلك ، أو قام بهذا الفعل في حقّ كتاب البخاري أو مسلم أو غيرهما ، فهذا خارج عن إطارنا تماماً ، فنحن نقرّ له بما توصّل إليه ونقبل منه موقفه ، حتى لو اختلفنا معه في المعطيات التي قدّمها ولم نوافقه في نتيجته لكنّنا نحترم جهده .
وهذا معناه أنّه يوجد فرقٌ عظيم بين إصدار حكمٍ مسبق على التراث الحديثي للمذاهب الأخرى ، وبين أن يقوم الباحثون في كلّ مذهب بدراسة مصادر الحديث الأخرى في سائر المذاهب ، كما يدرسون مصادرهم ، ويحقّقون فيها وفي نُسَخها ، وفي إثبات نسبتها لأصحابها ، وفي مناهج مؤلّفيها ، وفي مشاكلها الداخليّة والخارجية ، ثم يقولون ما يقولون ، فهذا مثل أن يبحث الإمامي في التفسير المنسوب لعليّ بن إبراهيم القمي ، ويرى أنّه لا قيمة لنُسخة التفسير المتداولة اليوم بين أيدينا - كما هو الصحيح ،
هامش
( 1 ) ( ) التعليقة على معالم الأصول 7 : 229 .