بأفكارهم والانحراف العقائدي معهم ، أو خوف زوال الخصوصيّة والهويّة المذهبيّة ، وبين تصديقهم إذا كانوا ثقاتاً في إخباراتهم ، فهذان موضوعان مختلفان .
والذي يظهر بمراجعة الروايات والنصوص أنّ أئمّة أهل البيت النبوي كانوا أحياناً يحذّرون من باب عدم التأثر بأفكارهم ، لا من باب الوثاقة أو مطلق القطيعة وأمثال هذه المفاهيم ، فلم تذكر النصوص ولم يُفت الفقهاء يوماً - كما هو المشهور بين المذاهب كلّها تقريباً - بحرمة إجراء المعاملات معهم ، ولا السلام عليهم ، ولا زيارتهم ، ولا أمثال ذلك ، وإنّما قيّدوه بخوف الفتنة ، بل الروايات الأكثر والأقوى سنداً عن أهل البيت تحثّ على التواصل معهم ، وحضور جنائزهم والصلاة معهم في مساجدهم ، وغير ذلك مما هو كثيرٌ ، لا نطيل به هنا .
نعم ، إذا روى هؤلاء روايات فيها منافع عقائديّة لهم ، فقد تسقط رواياتهم عن الاعتبار من وجهة نظر المختلف معهم في المذهب ، لا لأنهم مخالفين في المذهب ، بل لانخفاض قوّة الاحتمال نتيجة وجود داعي الكذب كما بحثناه فيما سبق ، فلا يوجد دليل معتبر على تركهم مطلقاً وهجرهم إلا لخوف الفتنة أو زوال الهويّة أو من باب إنكار المنكر ، بل بعض الروايات جاء فيه الأخذ برواياتهم ولو كانوا من غير الإماميّة ، كما في الخبر المتقدّم الوارد في روايات بني فضال ، ولو كان هذا الأمر صحيحاً وبنينا على شهرة عمل الشيعة بأخبار الآحاد الظنّية فإنّ سيرة المتشرّعة قائمة على تناقل روايات غير الشيعة الإماميّة ، وهذا بنفسه دليلٌ قطعي معارض لبعض الروايات الدالّة على ترك التعاطي معهم مطلقاً ، الأمر الذي يفرض إمّا فهماً تاريخيّاً لها أو كونها جاءت في سياق الحماية والتحذير وأخذ الحيطة وعدم الاغترار وغير ذلك من المفاهيم التي نتفّهم أخذ جميع المذاهب لها ، لكنّها لا تعني القطيعة المطلقة بما فيها القطيعة التي ترجع للأخذ بالأخبار من باب الوثوق أو الوثاقة أو العدالة .
بل لو صحّ هذا التفسير ببُعده الإطلاقي في القطيعة الاجتماعيّة وغيرها هنا ، للزم عدم
الحديث الشريف (حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج) — صفحة 193
مساهمون: حيدر حب الله
ص١٩٣