تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحديث الشريف (حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج) — صفحة 188

مساهمون:

ص١٨٨
الكذب لنصرة مذهبه أو لغيره معناه أنّ احتمال كذبه كبير رغم تديّنه ، وكذلك الداعية إلى البدعة أو الرأس فيها فإنّه من الممكن فيه أن يكون واضعاً للحديث انتصاراً لبدعته التي يدعو لها بخلاف سائر الرواة الذين ينقلون الحديث ولا يكونون أعلاماً دعاةً إلى بدعتهم مثلًا « 1 » . وهذا كلّه يؤشر أنّ هناك تيارات كبيرة لم تمانع من الأخذ بحديث المختلف في المذهب ، وبالإمكان مراجعة الخطيب البغدادي في الفصل اللاحق على كلامه هذا ، حيث قام بسرد بعض المواقف لكبار العلماء من أهل السنّة ممن يقبل برواية المبتدع « 2 » . ولا نريد أن نطيل هنا في استعراض المواقف والنصوص ، فمراجعة بعض الكتب العمدة في علوم الأصول ومصطلح الحديث ترشد لذلك بشكل واضح . بل إنّ واقع كتب الحديث عند أهل السنّة - بما فيها صحيح البخاري وصحيح مسلم - يشهد على أنّ بعض الرواة كانوا من المذكورين بالتشيّع تارةً وبالانتماء للخوارج ثانية ، وغير ذلك ، ولهذا نجد الخطيب البغدادي عندما يريد أن يسرد حجّة القائلين بجواز الاعتماد على خبر أهل الأهواء يقول : « والذي يعتمد عليه في تجويز الاحتجاج بأخبارهم ما اشتهر من قبول الصحابة أخبار الخوارج وشهاداتهم ومن جرى مجراهم من الفسّاق بالتأويل ، ثم استمرار عمل التابعين والمخالفين بعدهم على ذلك ؛ لما رأوا من تحرّيهم الصدق وتعظيمهم الكذب وحفظهم أنفسهم عن المحظوارت من الأفعال وإنكارهم على أهل الريب والطرائق المذمومة ، ورواياتهم الأحاديث التي تخالف آراءهم ويتعلّق بها
هامش
( 1 ) وإن كنّا نرى أنّ الداعي إلى بدعته ينبغي التحفّظ - على أبعد تقدير - في رواياته التي تمسّ ما ينتصر له ويدعو إليه ويتحمّس له ، وليس مطلقاً ، ما لم يكن مستحلًا للكذب بشكل عام في القضايا الدينيّة ، وخصوصيّة دعوته لما ينتصر إليه وضعف القوّة الاحتمالية في خبره هناك يتساوى فيها هو ومن يدعو للحقّ ، فقد يبتليان في هذه القضيّة معاً ، وإلا فهل هناك آية أو حديث تعطي حكماً خاصاً في القبول بشهادة من يدعو لبدعته ؟ ! إنّما هي مقاربات شخصيّة منهم . ( 2 ) الكفاية في علم الرواية : 154 - 160 .