ب - وأمّا عند جمهور أهل السنّة ، ففي تقديري إنّ الأمر أوضح ؛ إذ لا يوجد إجماع ولا شهرة ، بل القبول بأخبارهم هو الرأي السائد ، غاية الأمر أنّه قد وضعت شروط .
ويحدّثنا هذا النصّ للخطيب البغدادي عن الاتجاهات التي كانت سائدة بين علماء أهل السنّة في هذا الموضوع حتى زمانه ، حيث يقول : « اختلف أهل العلم في سماع من أهل البدع والأهواء كالقدريّة والخوارج والرافضة ، وفي احتجاج بما يروونه ، فمنعت طائفة من السلف صحّة ذلك ؛ لعلّة أنّهم كفّار عند من ذهب إلى إكفار المتأوّلين ، وفسّاق عند من لم يحكم بكفر متأوّل ، وممّن ( لا ) يروى عنه ذلك مالك بن أنس . وقال من ذهب إلى هذا المذهب : إنّ الكافر والفاسق بالتأويل بمثابة الكافر المعاند والفاسق العامد ، فيجب أن لا يُقبل خبرهما ولا تثبت روايتهما . وذهبت طائفة من أهل العلم إلى قبول أخبار أهل الأهواء الذين لا يعرفون منهم استحلال الكذب والشهادة لمن وافقهم بما ليس عندهم فيه شهادة ، وممن قال بهذا القول من الفقهاء أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي ، فإنه قال : وتُقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطّابية من الرافضة ؛ لأنّهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم ، وحكى أنّ هذا مذهب ابن أبي ليلى وسفيان الثوري ، وروى مثله عن أبي يوسف القاضي . وقال كثير من العلماء : يُقبل أخبار غير الدعاة من أهل الأهواء ، فأما الدعاة فلا يحتجّ بأخبارهم ، وممّن ذهب إلى ذلك أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل . وقال جماعة من أهل النقل والمتكلّمين : أخبار أهل الأهواء كلّها مقبولة ، وإن كانوا كفّاراً وفسّاقاً بالتأويل » « 1 » .
وهكذا نجد أنّ جمهوراً من العلماء لم تكن لديه مشكلة في أصل الأخذ من المخالف في المذهب ، وإنّما كانوا يضعون القيود لأجل ضمان النقل الصحيح أو نحو ذلك ، فمثلًا يشرط بعضهم أن لا يكون ممّن يستحلّ الكذب ، وهذا شرطٌ معقول ؛ لأنّ استحلال
هامش
( 1 ) الخطيب البغدادي ، الكفاية في علم الرواية : 148 - 149 ؛ وانظر : ضعفاء العقيلي 1 : 8 ؛ ومقدّمة ابن الصلاح : 90 - 91 .