قائمين على المستندات الاجتهاديّة التي من حقّنا الفحص عنها والنقاش فيها .
وبعبارة أخرى : إنّ غاية ما يستفاد هنا هو أنّ المشهور من العلماء ذهبوا - بحسب اجتهاداتهم - إلى الوصول إلى هذه النتيجة ، لكنّ اجتهاداتهم ليست ملزمةً لنا وإن كنّا نحترمهم جميعاً ، إلا عندما يقدّمون لنا مستنداتهم في هذا الاجتهاد ، لننظر فيها ، ولعلّنا لا نقتنع بتلك المستندات ، كما رأينا فيما سبق ، وقولهم ولو اشتهر بينهم في فترةٍ زمنية معيّنة ليس ملزماً لنا تعبّداً .
بل حتى التفكيك الذي مارسوه بين حديث المخالف في المذهب مما هو موجودٌ في مصادرهم وحديثه في غير مصادرهم ، هذا التفكيك يمكن أن يكونوا قد انطلقوا فيه - رغم اعتقادنا أنّ فيه قدراً من الازدواجيّة الأوليّة « 1 » - من أزمة الوثوق والثقة ، لا من أساسٍ شرعي وديني عام وملزم ، أي من عدم تحقّق الصغرى عندهم ، لا من تحقّق الكبرى المانعة ، بمعنى أنّ السني الذي كانت له خلطة بالشيعة كانوا لمعرفتهم به يثقون به ، بل قد يلحقونه بهم ، كما نجد أنّ النجاشي مثلًا يذكر بعض من هم من غير الشيعة ويترجمهم ؛ لخلطتهم بالشيعة وتصنيفهم في قضاياهم ، وهكذا الحال في الشيعي الذي تكون له خلطة بالسنّة بحيث يعرفونه فيحصل لهم في بعض الأحيان وثوق أو ثقة به ، أمّا في غير هذه الحالات ، وبسبب القطيعة التواصليّة فيما بينهم ، وصيرورة كلّ واحد منهم منفصلًا عن الآخر ، وبسبب الصراعات المذهبيّة والطائفيّة وطبيعة الجفاء الذي ساعدت عليه السلطات السياسيّة ، فإنّهم يحصل لهم هذا الارتياب العام ، فيفضّلون عدم الرجوع إليهم والاكتفاء بما عندهم والاستغناء به ، وهذا مبرّر تاريخي لهم ، لكنّه ليس أساساً دينيّاً ،
هامش
( 1 ) قناعتي الشخصيّة أنّ نفس تفكيكهم في الجملة في المذاهب المختلفة بين رواية المخالف في المذهب في كتبهم وروايته في كتب مذهبه ، دليل على أنّهم لم ينطلقوا من تأسيسٍ شرعي عام لهذا الموضوع ، وإنّما جاءت القضيّة على خلفيّة الثقة والوثاقة والاطمئنان والخوف ونحو ذلك من السياقات النفسية والاجتماعية والتاريخيّة التي خضعت لطبيعة الأنماط العلائقيّة بين المسلمين تاريخيّاً .