الشكل الثاني : اشتهار اشتراط سلامة العقيدة في الأخذ بخبر الراوي
ثاني أشكال الاستناد إلى معطيات الموروث الفقهي والأصولي والحديثي ، هو الاستناد إلى دعوى شهرة اشتراط الإيمان بالمصطلح المذهبي - أي الاثني عشريّة - في الراوي ؛ فقد ادّعى الشيخ حسن بن الشهيد الثاني في كتاب المعالم أنّ المشهور بين الأصحاب اشتراط الإيمان « 1 » ، وتبعه في ادّعاء الشهرة غيره « 2 » ، فتكون هذه الشهرة حجّةً حينئذٍ وعائقاً أمام الأخذ بخبر كلّ راوٍ غير إماميّ .
وربما تؤيّد هذه الشهرة بنصوص العديد من العلماء أو سلوكيّاتهم في التعامل مع أحاديث غير الإماميّ ، بل قد يُدّعى أنّ السيرة المتشرّعية قامت على ذلك أيضاً في القرون الثلاثة الهجريّة الأولى ؛ إذ لم نجدهم يرجعون لكتب وحديث سائر المذاهب الإسلاميّة .
وهذا الأمر لا يختصّ بالشيعة ، بل يطال العديد من علماء أهل السنّة ، فالمعروف بين علماء أهل السنّة والحديث النقاش في إمكانيّة قبول قول غير السنّي من فرق الخوارج ومتطرّفي الشيعة والقدريّة والجبريّة والمرجئة وغير ذلك بحسب تصنيف المحدّثين وفقاً لعقيدتهم ، ويُطلقون على هذه الفرق اسم أهل الأهواء تارةً وأهل البدع أو المبتدعة أخرى ، فبعضهم قبل قوله مطلقاً ، وبعضهم رفض قوله مطلقاً ، وبعضهم كان له تفصيل ، وهذا كلّه يشهد على أنّ المزاج العام - متشرّعياً وفقهائيّاً وعلى مستوى المشتغلين بالحديث منذ القرون الأولى - هو مزاج متحفّظ ، ومن ثمّ يشكّل عائقاً متبادلًا بين أطراف التنازع المذهبي عن الرجوع للحديث الشريف في سائر المصادر غير المذهبيّة .
إلا أنّه يمكن التوقّف عند هذا الشكل من العوائق التاريخيّة / الفقهيّة ، وذلك :
أوّلًا : سلّمنا بانعقاد هذه الشهرة بين الفقهاء والأصوليّين والمحدّثين والرجاليّين ، لكنها ليست حجّةً ، خاصّةً تلك الشهرة التي تنعقد خارج مدرسة الإماميّة ، أعني خارج
هامش
( 1 ) الشيخ حسن ، معالم الدين : 200 .
( 2 ) انظر - على سبيل المثال - : علي الخليلي النجفي ، سبيل الهداية في علم الدراية : 107 .