ثانياً : إنّ جملةً من هذه الموارد المذكورة لا دليل عليها سوى بعض الوجوه الضعيفة ، ونحن لن نخوض فيها هنا ، بل بحثنا بعضها في مكانه ، فمثلًا لا دليل يذكر على شرط الإيمان في مرجع التقليد سوى روايات ضعيفة بعضها مما مرّ معنا في المانع الروائي المتقدّم ، مضافاً إلى السيرة المتشرّعية التي مجال نقاشها واسع هنا ، وهكذا الحال في القضاء ، وقد كتبنا بحثاً مفصّلًا في نفي شرط الإيمان الخاصّ في مستحقّ الخمس والزكاة « 1 » ، وكان لنا بحث آخر في نفي القول بشرعيّة غيبة المخالفين في المذهب ، وأنّ الصحيح هو حرمة غيبة كلّ مسلم ، كما أثبتنا في موضع آخر أنّ الدعاء والترحّم والاستغفار يثبت لجميع المسلمين بلا فرق بين مذاهبهم ، وأثبتنا جواز تغسيل وتجهيز الميت من قبل أبناء المذاهب في حقّ بعضهم بعضاً « 2 » .
ونحن نعرف أنّه لا يُراد جعل الآخر ذا نفوذ وهيمنة في المجتمع الشيعيّ ، لكنّ هذا شيءٌ والاستفادة من علومه وأخباره وخبراته شيء آخر ، لهذا لا تمانع الدول من الاستفادة من عقول وأدمغة رعايا الدول الأخرى ، لكنّها لا تسمح لهم بأن يكونوا نافذين وقادةً لدولها . وهذا تماماً مثل مطبعة لشخصٍ غير شيعي تطبع الكتب الشيعيّة ، فهي طريق لمعرفة الكتب ، وكتبُ الحديث هنا طريق لمعرفة الروايات .
ثالثاً : إنّ أكثر هذه الأحكام ثابت في حق المرأة فقهيّاً عند المشهور ، كعدم جواز كونها إماماً للمسلمين ولا الجماعة ولا المرجعيّة ولا القضاء وأكثر موارد الشهادات ، ومع ذلك لم يلتزم أحد بعدم حجيّة رواياتها أو عدم الرجوع إلى علومها وخبراتها ، فإذا كان هذا دليلًا لزم على الآخذ به أن يقول بسقوط حجيّة أخبار النساء الثقات أيضاً ، وهو واضح الضعف ولم يقل به أحد ، وهذا إشكال نقضي عليه .
هامش
( 1 ) انظر : حيدر حبّ الله ، دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر 4 : 337 - 391 .
( 2 ) انظر : حيدر حبّ الله ، إضاءات في الفكر والدين والاجتماع 1 : 337 - 338 ، 405 - 407 ، 470 - 479 .