والاعتبار ، فإنّنا لا نختلف مع أهل السنّة في كلّ شيء حتى نعمل دوماً بعكس ما يقولون ، فكيف يصحّ هذا التعميم ؟ ! « 1 » .
وهذا الإشكال قد يورد عليه بأنّه تكفي المخالفة في أغلب الأحكام ؛ ليعطي الإمام أمارةً غالبيّة تكشف عن الواقع ، لهذا فالأفضل تغيير صيغة الإشكال ، إلى أنّه يُحرز التوافق بين الشيعة والسنّة في أكثر الأحكام ، بمعنى أنّنا لو حسبنا في زماننا هذا الرأي الشيعي وما فيه من اختلاف بين الشيعة ، وحسبنا الرأي السنّي وما فيه من اختلاف بين السنّة ، فإنّ القضايا المشهورة عند السنّة بحيث يأخذ بها الأغلب وتكون في الوقت عينه مما لا يُحرز اتفاق الرأي فيها مع الشيعة وعندهم ، لن تكون هذه القضايا إلا يسيرةً ، فكيف يجعل الأخذ بالمخالف أمارة حينئذ ؟ !
وبعبارةٍ أخرى : إنّنا نحرز اليوم أنّ أغلب ما هو في الفقه مما هو مشترك بين الشيعة والسنّة ، ومع هذه الغلبة كيف يقدّم الإمام أمارة نوعيّة في هذا السياق ؟ إلا إذا قيل بحُسن المخالفة لهم في ذاتها ، كما اختاره بعضهم ! وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله .
ولعلّه لهذا كلّه ، لا يعمل أحد من الفقهاء بهذا المعيار قبل إجراء البراءة وبعد فقده الأدلّة ، فلاحظ سيرة الاجتهاد الفقهي عن الشيعة تجد صدق ما نقول ، فهل تجد فقيهاً شيعيّاً إذا فقد الأدلّة المحرزة والأمارات على الحكم الشرعي يذهب - بدل إجراء أصالة البراءة - إلى فقه السنّة ، فما أفتوا به يفتي بخلافه ويعتبر ذلك حكماً شرعيّاً ؟ !
الرواية الثانية : خبر أبي إسحاق الأَرَّجَاني رفعه قال : قال أبو عبد الله جعفر الصادق : « أتدري لم أمرتم بالأخذ بخلاف ما تقول العامّة ؟ » ، فقلت : لا أدري ، فقال : « إنّ علياً عليه السلام لم يدين الله بدينٍ إلا خالف عليه الأمّة إلى غيره ، إرادةً لإبطال أمره ، وكانوا يسألون أمير المؤمنين عليه السلام عن الشيء الذي لا يعلمونه ، فإذا أفتاهم جعلوا له ضدّاً من عندهم ؛ ليلبسوا
هامش
( 1 ) انظر : نور الدين العاملي ، الشواهد المكيّة : 387 .