فسيكون ذلك مشكلة ؛ لأنّه لا العرف ولا العقلاء يعتبرونه كاذباً ، نعم قد لا يصوّبون فعله أو يذمّونه ، لكنّ الذمّ على فعلٍ ما لا يعني عدم الوثاقة ، فحتى يخرج الإنسان عن أن أثق به فلابد أن أشكّك في صدق نقله ، لا أنّه بمجرّد عدم ذكر بعض الأخبار يصبح غير ثقة ، إلا إذا تعهّد بنقل تمام الأخبار التي يعتقد بها والتي لا يعتقد بها ، وشهد بأنّه ينقل كلّ ما هو صحيح السند عنده ، ثم يحذف بعضه ، فهذا فيه مشكلة ، وإن كان قد يُحمل على تعديل نظره ، فمثلًا الشيخ الطوسي في مقدّمة الفهرست وعد ببيان التوثيق والتضعيف « 1 » ، لكنّه لم يف بوعده كما قيل ، فهذا لا يعني اتّهامه بالكذب ، كما أنّ الشيخ الصدوق وعد بأن لا يورد إلا ما هو حجّة بينه وبين ربّه في كتاب من لا يحضره الفقيه ، فإذا صحّت عنده رواية سنداً لكنّه رآها باطلة المضمون لمخالفتها للمسلّم عنده عقائدياً ، فإنّ حذفه لها ليس خيانةً ما دام قد جعل اعتقاده هو المعيار في اختيار الأحاديث ، من حيث قضيّة نقد المتن الحديثي .
إذن ، كما حقّ للصدوق حذف ما لا يعتقد به ، كذا يصحّ للبخاري حذف ما لا يعتقد به ، والعكس صحيح ؛ لشيوع أساليب نقد المضمون في تلك الفترة ، ومن الواضح أنّ نقد المحتوى يقوم بالدرجة الأولى على الخلفيّات المعرفيّة للمحدّث نفسه ، ولا يمكن فصل هذه الخلفيّات عن اختيار الأحاديث ، فانتقاء الأحاديث تبعاً للخلفيّات المسبقة ولو في الجملة ، أمرٌ فعله كلّ محدّثي الإسلام إلا من شذّ وندر ، نعم لو ذكر المحدّث تعهّده برواية كلّ ما وصل إليه فهذه خيانة ، لكنّنا أشرنا إلى أنّه ليس لازمها الكذب في النقل .
وعليه ، فلا يمكننا تضعيف رواية في الكافي لعدم رواية البخاري لها ، لكنّه لا يمكن تكذيب البخاري لعدم روايته لهذه الرواية ، والعكس صحيح ، هذا فضلًا عن أنّ البخاري بعدم نقله عن الصادق قد ينطلق من كون الإمام الصادق عنده مجتهداً ، وغالب ما يقوله هو آراؤه الاجتهاديّة ، وغالب ما ينقله عن النبي لعلّه يراه مرسلًا لا سند له ، لأنّ
هامش
( 1 ) انظر : الطوسي ، الفهرست : 3 - 4 .