و قد بينا هذا فى ما مضى من البيان و ذكرنا انه اذا كان الامر كذلك ، فكلما كان الوجود اتم ، فانطواؤه على المعانى اكثر . فاعتبر الانسان و قسه الى النطفة ، فانها لا يحتوى الا على معنى الجسم ، فاذا اشتد وجودها و تصاعد فى الدرجات الاستكمالية التى لها ، الى كمالات اخر وجودية ، اشتمل اولا على القوى النباتية التى هى مبادى آثار النبات ، و حينئذ « 1 » ينتزع منه معنى النامى . ثم على القوى الادراكية التى يترتب عليها آثار الحيوانية ، على الترتيب الذى لتلك القوى ، فيشتمل اولا على اللمس ثم على الذوق ثم على الشم ثم على السمع ثم على البصر ثم على الخيال ، و حينئذ « 2 » ينتزع منه الحساس ، حتى يبلغ وجودها فى الاستكمال الى درجة الانسانية ، و هناك يشتمل على النفس الناطقة المدركة للصور العقلية المجردة عن المادة و الصورة ، و حينئذ « 3 » ينتزع منه معنى الناطق .
و ليس ينحصر ذلك بالدرجات الصعودية التى فى قوس النهايات ، بل يجرى البيان بعينه فى الدرجات النزولية التى فى قوس البدايات . فالعقل الفعال الذى درجته فى الوجود ، درجة اخيرة فى سلسلة العقول - على طريقة اقوامنا المشائيين - يشتمل على ماهيات الانواع الكونية المحصلة فى الوجود بنحو آكد و اتم ، و لكن الوجود ليس وجودا خاصا لتلك الانواع ، بل انما هو وجود خاص للعقل الفعال ، اذ الوجود الخاص لكل ميهة و حقيقة ، هو ما يتميز به تلك المهية عن ساير المهيات ، و يترتب عليه الآثار المخصوصة و الاحكام الخاصة بها . فاذن ليس يجب ان يكون كل وجود يوجد به المهية ، وجودا خاصا لها . اما ترى الهيولى الاولى ، كيف يتحد مع الصورة فى الوجود ؟ اذ ليس لها بحيالها وجود يباين به الصورة ، و الا لزم انقلاب ما فرض قوة محضة الى الفعلية ، و ليس ذلك الوجود وجودا خاصا لها ، بل انما هو وجود خاص للصورة ، و الوجود الخاص بها وجود القوة و قوة الوجودات ، لانها ليست فى ذاتها الا جوهرا له فى الوجود قابلية التلبس بأية صورة و حلية كانت ، و كذلك الانسان ، يوجد بوجوده كثير من المعانى التى قد يوجد بوجودات متفرقة متشتتة فى مواضع مختلفة ، كالحساس و النامى و الجسم و الجوهر ، فان لكل واحد من هذه المعانى ، وجودا يخصه و يترتب عليه آثاره و لوازمه ، كوجود الفرس و الشجر و الجماد و العقل المجرد المحض - ان
هامش
( 1 و 2 و 3 ) . ن : اذن .