تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في سبيل الوحدة والتقريب — صفحة 434

مساهمون:

ص٤٣٤
والثاني يدلّ على ما قلناه ؛ لأنّ من قد أنس بالكلام والخطابة ، وشدا طرفاً من علم البيان ، وصار له ذوق في هذا الباب ، لابدّ أن يفرق بين الكلام الركيك والفصيح ، وبين الفصيح والأفصح ، وبين الأصيل والمولد . وإذا وقف على كراس واحد يتضمن كلاماً لجماعة من الخطباء ، أو لاثنين منهم فقط ، فلابدّ أن يفرق بين الكلامين ، ويميز بين الطريقين . ألا ترى أنا مع معرفتنا بالشعر ونقده لو تصفحنا ديوان أبي تمام ، فوجدناه قد كتب في أثنائه قصائد أو قصيدة واحدة لغيره ، لعرفنا بالذوق مباينتها لشعر أبي تمام ونفسه ، وطريقته ومذهبه في القريض ، ألا ترى أنّ العلماء بهذا الشأن حذفوا من شعره قصائد كثيرة منحولة إليه ، لمباينتها لمذهبه في الشعر ! وكذلك حذفوا من شعر أبي نواس كثيراً ، لما ظهر لهم أنّه ليس من ألفاظه ولا من شعره ، وكذلك غيرهما من الشعراء ، ولم يعتمدوا في ذلك إلّاعلى الذوق خاصة . وأنت إذا تأملت « نهج البلاغة » وجدته ماءً واحداً ، ونفساً واحداً ، وأسلوباً واحداً ، كالجسم البسيط الذي ليس بعض من أبغاضه مخالفاً لباقي الأبعاض في الماهية ، وكالقرآن العزيز ، أوله كوسطه ، وأوسطه كآخره ، وكل سورة منه وكل آية مماثلة في المأخذ والمذهب والفن والطريق والنظم لباقي الآيات والسور . واعلم أنّ قائل هذا القول يطرق على نفسه ما لا قبل له به ؛ لأنّنا متى فتحنا هذا الباب ، وسلّطنا الشكوك على أنفسنا في هذا النحو ، لم نثق بصحة كلام منقول عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله أبداً ، وساغ لطاعن أن يطعن ويقول : هذا الخبر منحول ، وهذا الكلام مصنوع ، وكذا ما نقول عن أبي بكر وعمر من الكلام والخطب والمواعظ والآداب وغير ذلك ، وكل أمر جعله هذا الطاعن مستنداً له فيما يرويه عن النبي وآله والأئمة الراشدين ، والصحابة والتابعين ، والشعراء والمترسلين والخطباء ، فلنا صري أمير المؤمنين عليه السلام أن يستندوا إلى مثله فيما يروونه عنه من « نهج البلاغة » وغيره ، وهذا واضح .