واستعاراتها تحكي غمرات الألحاظ المراض ، ومواعظها تعبر عن زهرات الرياض ، جمع قائل هذا الكلام ، بين ترصيع بديع ، وتحنيس أنيس ، وتطبيق أنيق .
فللّه در خاطر عن مخائل الرشد ماطر ، وعين اللَّه على كلام إمام ورث الفضائل كابراً عن كابر ، ولا غرو للروض الناضر إذا انهلّت فيه عزالي الأنواء أن يخضرّ رباه ، ويفوح رباه ، ولا للساري في مسالك نهج البلاغة أن يحمد عند الصباح سراه ، ولا لمجيل قداح الطهارة إذا صدّقه رائد التوفيق والإلهام ، أن يفوز بقدحي المعلى والرقيب ، ويمتطي غوارب كل حظّ ونصيب .
ولا شك أنّ أمير المؤمنين عليَّ بن أبي طالب عليه السلام كان باب مدينة العلوم ، فما نقول في سقط انفض من زند خاطره الوادي ، وغيض بدا من فيض نهره الجاري ، لا بل في شعلةٍ من سراجه الوهاج ، وغرفة من بحره المواج ، وقطرة من سحاب علمه الغزير ، ولا ينبئك مثل خبير .
2 - ابن أبي الحديد :
كثير من أرباب الهوى يقولون : إنّ كثيراً من نهج البلاغة كلام مُحدث ، صنعه قوم من فصحاء الشيعة ، وربما عزوا بعضه إليّ الرضى أبي الحسن أو غيره ، وهؤلاء قوم أعمت العصبية أعينهم ، فضلّوا عن النهج الواضح ، وركبوا بيّنات الطريق « 1 » ضلالًا وقلة معرفة بأساليب الكلام .
وأنا أوضح لك بكلام مختصر ما في هذا الخاطر من الغلظ ، فأقول : لا يخلو إمّا أن يكون كل نهج البلاغة مصنوعاً منحولًا ، أو بعضه .
والأول باطل بالضرورة ؛ لأنّنا نعلم بالتواتر صحة استناد بعضه إلى أمير المؤمنين عليه السلام ، وقد نقل المحدثون - كلهم أو جُلهم - والمؤرخون كثيراً منه ، وليسوا من الشيعة ؛ لينسبوا إلى غرض في ذلك .
هامش
( 1 ) البينات : أصله الطرق الصغار تتشعب من الجادة ، ثمّ أطلقت على الترهات . .