القلوب عن هواها ، وأخذت الخواطر دون رماها ، واغتالت فاسد الأهواء وباطل الآراء .
وأحياناً كنت أشهد أنّ عقلًا نورانياً ، لا يشبه خلقاً جسدانّياً ، فصل عن الموكب الإلهي ، واتصل بالروح الإنساني ، فخلعه عن غاشيات الطبيعة ، وسما به إلى الملكوت الأعلى ، ونما به إلى مشهد النور الأجلى . وسكن به إلى عمار جانب التقديس ، بعد استخلاصه من شوائب التلبيس . وآنات كأ نّي أسمع خطيب الحكمة ينادي بأعلياء الكلمة ، وأولياء أمر الأمة ، يعرِّفهم مواقع الصواب ، ويبصرهم مواضع الارتياب ويحذّرهم مزالق الاضطراب ، ويرشدهم إلى دقاق السياسة ، ويهديهم طرق الكياسة ، ويرتفع بهم إلى منصات الرئاسة ، ويُصعدهم شرف التدبير ، ويشرف بهم على حسن المصير .
ذلك الكتاب الجليل هو جملة ما اختاره السيد الشريف الرضي رحمه الله من كلام سيدنا ومولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام . جمع متفرقة وسمّاه بهذا الاسلام « نهج البلاغة » ، ولا أعلم اسماً أليق بالدلالة على معناه منه ، وليس في وسعي أن أصف هذا الكتاب بأزيد ممّا دلّ عليه اسمه ، ولا أنْ آتي بشيء في بيان مزيّته فوق ما أتى به صاحب الاختيار » « 1 » .
وكما رأى الإمام محمد عبده « نهج البلاغة » رآه من أعلام المفكّرين من سبقه ، ومن جاء بعده ، نذكر منهم على سبيل المثال :
1 - ظهير الدين علي بن زيد البيهقي :
هذا الكتاب النفيس « نهج البلاغة » مملوٌ من ألفاظ يتهذّب بها المتحدّث ، ويتدرّب بها المتكلّم ، فيه من القول أحسنه ، ومن المعاني أرصنه ، كلام أحلى من نَغَم القيان ، وأبهى من نعم الجنان ، كلام مطلعه كسنة البدر ، ومشرعه مَوْرد أهل الفضل والقدر ، وكلمات وشيّها خبر ، ومعانيها فقر ، وخطب مقاطعها غرر ، ومباديها درر ،
هامش
( 1 ) مقدمة محمد عبده ، على شرح نهج البلاغة ، طبعة القاهرة . .