تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في سبيل الوحدة والتقريب — صفحة 431

مساهمون:

ص٤٣١
وقد تعرف « الشيخ محمد عبده » - مفتي مصر العظيم ، وزميل النضال الطويل ل « سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني الأسد آبادي » ضد الاستعمار والاستبداد - في فترة غربته على « نهج البلاغة » وسُحر بحسن بيان الإمام ، بحيث كان يرى نفسه أمام الإمام ، أو في ميدان الكفاح والنضال عند قراءته . . . يقول في مقدّمة الشرح الذي كبته على « نهج البلاغة » عن تأثير بيان الإمام : « . . . وبعد فقد أوفى لي حكم القدر بالاطلاع على كتاب « نهج البلاغة » مصادفة بلا تعمّد ، أصبته على تغير حال وتبلبل بال ، وتزاحم أشغال ، وعطلة من أعمال . فحسبته تسلية ، وحيلة للتخلية ، فتصفحت بعض صفحاته ، وتأملت جملًا من عباراته ، من مواضع مختلفات ، وموضوعات متفرقات ، فكان يخيل إليَّ في كل مقام أنّ حروباً شبّت وغارات شنّت ، وأنَّ للبلاغة دولة وللفصاحة صولة ، وأنَّ للأوهام عرامة وللريب دعارة ، وإنَّ جحافل الخطابة وكتائب الذاربة ، في عقود النظام وصفوف الانتظام ، تنفاح بالصفيح الأبلج والقويم الأملج ، وتمتلج المهج برواضع الحجج ، فتفل من دعارة الوساوس وتصيب مقاتل الخوانس ، والباطل منكسر ، ومرج الشك في خمود وهرج الريب في ركود . وأنَّ مدبّر تلك الدولة ، وباسل تلك الصولة ، هو حامل لوائها الغالب ، أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام . بل كنت كلّما انتقلت من موضع إلى موضع أحسُّ بتغيّر المشاهد وتحوّل المعاهد ، فتارة كنت أجدني في عالم يغمره من المعاني أرواح عالية ، في حلل من العبارات الزاهية ، تطوف على النفوس الزاكية ، وتدنو من القلوب الصافية ، توحي إليها رشادها ، وتقوم منها مرادها ، وتنفر بها من مداحض المزال إلى جوادّ الفضل والكمال . وطوراً كانت تتكشّف لي الجمل عن وجوه باسرة ، وأنياب كاشرة ، وأرواح في أشباح النمور ، ومخالب النسور ، قد تحفّزت للوثاب ، ثمّ انتفضت للاختلاب ، فخلبت