إنّ ملاحظة خصائص النظام القرآني ، ومقارنتها ليس بالنظم التي كانت سائدة في عصرها - ليست قياس اللاشيء بكلّ شيء - وإنّما بالنتاج التنظيمي الاجتماعي القائم اليوم ، تؤكّد لنا من جديد النسب الإلهي والإعجازي لهذا الكتاب القيّم الخالد .
ويكفينا أن نجد الرأسمالية اليوم تتصور الجنّة الإنسانية كاملة في فسح المجال للحرية كي تأخذ مجالها اللامحدود ، محقّقة - بزعمها - الجنّة الموعودة ، في حين تركّز الاشتراكية الماركسية المسمّاة بالعلمية على عنصر الضمان الاجتماعي ، متناسية الكرامة الإنسانية والحرية كميل طبيعي في أعماق الإنسان ، الأمر الذي ترك الإنسانية اليوم حائرة بين العذاب الرأسمالي المقيت ، والعذاب الاشتراكي الماركسي البغيض ، هذا التناقض قد أوجد القرآن حلًاّ له قبل أربعة عشر قرناً ، عرضه في نظامه الخالد .
وهذه التأكيد القرآني على خلود نظامه هو بنفسه آية من آيات الإعجاز القرآني . ذلك أنّ الماركسية - تعتبر أحدث النتاج الفكري البشري الوضعي - تربط دائماً بين نوعية تطور وسائل الانتاج ، وشكل العلاقات الاجتماعية القائمة في المجتمع ، حيث يجب على هذه العلاقات أن تتبع تلك الكيفية الإنتاجية اتباعاً تاريخياً أعمى ، فلا يبقى للإنسان إلّاأن يردّد ما يقوله له التاريخ الماركسي وما يمليه ، ووفق هذا التصور لا يمكن أن يوجد نظام خالد منسجم مع حالتين من حالات الانتاج ، في حين يكذّب القرآن هذا التصور القاتل للوجود الإنساني والكرامة المعنوية له ، ويطرح الإسلام كنظام إلهي خالد بالنحو الذي يوفّر للبشرية سيرها التكاملي المتصاعد عبر القواعد العامة ومناطق الفراغ التشريعية من جهة ، وعبر الإشعاع الثابت للجوانب الفطرية الثابتة في حياة الإنسان من جهة أخرى .
إنّ القرآن لا يرى الإنسان شيئاً متغيّراً في كلّ جوانبه ، وإنّما يلاحظ أنّ الفطرة الإنسانية شيء أصيل ثابت ، وخطّ معيّن يسلك بالإنسان إلى كماله ، أمّا المتغيّر
في سبيل الوحدة والتقريب — صفحة 395
مساهمون: السيد هادي الخسروشاهي
ص٣٩٥