وقد يقال : ترك المأمور تارة يكون لمعصية الآمر وتارة يكون لعجزه فإذا كان قادرا مريدا لزم وجود المأمور المقدور فقوله « لا يعصون » لا يمتنعون عن الطاعة وقوله « ويفعلون ما يؤمرون » أي هم قادرون على ذلك لا يعجزون عن شيء منه بل يفعلونه كله فيلزم وجود كل ما أمروا به وقد يكون في ضمن ذلك أنهم لا يفعلون إلا المأمور به كما يقول القائل : أنا أفعل ما أمرت به أي أفعله ولا أتعداه إلى زيادة ولا نقصان .
وأيضا فقوله : « لا يعصون الله ما أمرهم » إن كان نهاهم عن فعل آخر كان ذلك من أمره وإن كان لم ينههم لم يكونوا مذمومين بفعل ما لم ينهوا عنه .
والمقصود أن لفظ " الأمر " إذا أطلق تناول النهي ومنه قوله : « أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم » أي أصحاب الأمر ومن كان صاحب الأمر كان صاحب النهي ووجبت طاعته في هذا وهذا فالنهي داخل في الأمر وقال موسى للخضر : « ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا » « قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا » وهذا نهي له عن السؤال حتى يحدث له منه ذكرا ولما خرق السفينة قال له موسى « أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا »
الإيمان — صفحة 166
مساهمون: ابن تيمية
ص١٦٦