ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى » وقال : « اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون » فأمر باتباع ما أنزل ونهى عما يضاد ذلك وهو اتباع أولياء من دونه فمن لم يتبع أحدهما اتبع الآخر ولهذا قال « ويتبع غير سبيل المؤمنين » قال العلماء : من لم يكن متبعا سبيلهم كان متبعا غير سبيلهم فاستدلوا بذلك على أن اتباع سبيلهم واجب فليس لأحد أن يخرج عما أجمعوا عليه .
وكذلك من لم يفعل المأمور فعل بعض المحظور ومن فعل المحظور لم يفعل جميع المأمور فلا يمكن الإنسان أن يفعل جميع ما أمر به مع فعله لبعض ما حظر ولا يمكنه ترك كل ما حظر مع تركه لبعض ما أمر فإن ترك ما حظر من جملة ما أمر به فهو مأمور ومن المحظور ترك المأمور فكل ما شغله عن الواجب فهو محرم وكل ما لا يمكن فعل الواجب إلا به فعليه فعله ولهذا كان لفظ " الأمر " إذا أطلق يتناول النهي وإذا قيد بالنهي كان النهي نظير ما تقدم فإذا قال تعالى عن الملائكة : « لا يعصون الله ما أمرهم » دخل في ذلك أنه إذا نهاهم عن شيء اجتنبوه وأما قوله : « ويفعلون ما يؤمرون » فقد قيل : لا يتعدون ما أمروا به وقيل : يفعلونه في وقته لا يقدمونه ولا يؤخرونه .
وقد يقال : هو لم يقل : ولا يفعلون إلا ما يؤمرون بل هذا دل عليه قوله : « لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون » وقد قيل : لا يعصون ما أمرهم به في الماضي ويفعلون ما يؤمرون في المستقبل وقد يقال : هذه الآية خبر عما سيكون ليس ما أمروا به هنا ماضيا بل الجميع مستقبل فإنه قال : « قوا أنفسكم وأهليكم نارا » وما يتقي به إنما يكون مستقبلا
الإيمان — صفحة 165
مساهمون: ابن تيمية
ص١٦٥