ثمّ إنّ عقد القلب والخضوع القلبي من الأفعال الاختياريّة القلبيّة وراء نفس العلم واليقين ، لجواز تفكيكهما عن العلم ، ولذلك كان بعض الكفّار غير مؤمنين في عين كونهم عالمين بالمبدأ والمعاد ومع ذلك كانوا مكلّفين بالايمان ، وهو شاهد على أنّ الإيمان وهو عقد القلب على ما كانوا عالمين به ، أمر اختيارىّ .
وأيضاً يعتضد ذلك بالوعيد بالعقوبة عند التخلّف عن الإيمان ومقدّمات البرهان ، لا تفيد إلّا العلم ، وهو قهرىّ . وأما عقد القلب ، فهو لا يكون قهريّاً ، بل يحتاج إلى إرادة العالم .
ودعوى أنّ التسليم القلبي لا يحصل بالإرادة والاختيار ، فمن قام عنده البرهان على شئ ، لا يمكن له عقد القلب عن صميمه بعدم وجوده .
مندفعة : بأنّ ما لا يكون اختياريّاً هو العلم لاعقد القلب .
فإذا عرفت ذلك ، فاعلم ، أنّه لا دليل على وجوب الالتزام القلبىّ بالنسبة إلى الاحكام المعلومة ، إذ الامتثال في الأحكام المعلومة حاصل بالإتيان بها أو الاجتناب عنها في الخارج ، ولو مع عدم الالتزام القلبىّ بها والواجب هو الإتيان بها ، أو الاجتناب عنها في الخارج ، ولا دليل على أزيد منه .
والشاهد لذلك حكم الوجدان بعدم استحقاق العقوبتين لو خالف ولم يمتثل .
لا يقال : يكفى في ذلك وجوب تصديق النبىّ صلى الله عليه وآله وسلم فيما جاء به ، فإنّه يقتضى وجوب الموافقة الالتزاميّة ، إذ تصديق النبي صلى الله عليه وآله وسلم لاينفكّ عن البناء القلبي على موافقته .
لأنّا نقول : إنّ غاية ما يستفاد من وجوب تصديق النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو وجوب تصديقه في « أنّ ما جاء به ، وأخبر عنه هو واجب ، صادر من قبل الله تعالى » ، وهذا المعنى لا يرتبط بالالتزام القلبىّ على العمل بما علمه من الأحكام .
خلاصة عمدة الأصول — صفحة 483
مساهمون: السيد محسن الخرازي
ص٤٨٣