بالتخيير فهو ، وإلّا فالتساقط ، والرجوع إلى حكم العقل ، وقد عرفت أنّ العقل لا يحكم باستحقاق العقوبة على مجرّد العزم ، فتحصّل أنّه لا دليل عقلًا ولانقلًا على فعليّة حرمة نفس العزم عداً موارد خاصّة كالكفر ، ومحبّة إشاعة الفحشاء ، وإرادة العلوّ والفساد . فتختصّ عقوبة المتجرّى بما إذا أتى بالفعل فلايكفى فيه مجرّد العزم .
التنبيه الثالث : أنّ موضوع البحث في التجرّى هو الحجّة ، غير المطابقة للواقع ، سواء كانت هي القطع ، أو العلم الإجمالي ، أو الظّنّ ، أو احتمال التكليف المنجّز ، كالشبهة البدويّة قبل الفحص ، وعليه فالموضوع لايختصّ بالقطع .
فإذا قامت الحجّة المذكورة كان الحكم منجّزاً عليه ، ولامؤمّن له بالنسبة إليه ، ومع عدم المؤمّن فإذا خالفه وأصاب القطع ، أو الظنّ ، أو الاحتمال المنجّز للواقع فهو عاصٍ حقيقة ، وإلّا فهو من التجرّى ، لأنّه لم يعمل بوظيفته ويخرج بارتكابه عن زىّ العبوديّة .
التنبيه الرابع : أنّه لو وجد مؤمّناً ، واستند إليه في ارتكاب المشتبه كان معذوراً ، سواء طابق المؤمّن للواقع ، أو لم يطابق ، لأنّه اعتمد على الحجّة . وأمّا إذا لم يستند إلى الحجّة وارتكب المشتبه برجاء مصادفة الحرام ، فلو لم يصادف فهو من مصاديق التجرّى ، وإن صادف الحرام فهو عاصِ حقيقة ، ومطابقة عمله مع المؤمّن من دون استناد إليه لا يكفى في صحّة الاعتذار بالنسبة إلى ارتكاب الحرام .
التنبيه الخامس : أنّ العقل حاكم باستحقاق العقوبة عند مخالفة أوامر الله تعالى ونواهيه ، لأنّ المخالفة هتك لحرمة المولى ، وخروج عن زىّ العبوديّة ، ولكن لاحكم له باستحقاق المثوبة بالنسبة إلى موافقة أوامر الله تعالى ونواهيه ، لأنّ الموافقة من أداء الوظيفة ، كما أنّ إطاعة المملوك لمولاه لا يوجب استحقاق المثوبة ، لأنّه أتى بوظيفته . نعم غاية الأمر ، أنّ العبد يصير بذلك لائقاً للتفضّل من مولاه ، ومقتضى ما ذكر هو حكم العقل باستحقاق العقوبة في التجرّى دون الانقياد وان حكم بلياقة المنقاد للتفضّل فلاتغفل .
خلاصة عمدة الأصول — صفحة 468
مساهمون: السيد محسن الخرازي
ص٤٦٨