ولكن نوقش في ذلك :
أوّلا : بأنّ المراد من الامتناع عن اصطناع المعروف الذي جعل مفسدة جواز الربا - ليس الامتناع عنه بالمرّة ؛ ضرورة أنّه لو فُرض جواز أخذ الربا ومع ذلك تعلّقت إرادة أحد بالإحسان إلى غيره بهبته شيئاً أو إقراضه قرضاً حسناً ، لما كان عنه رادع ومانع ، بل المراد منه الامتناع عن اصطناع المعروف لمن يمشي في الأمور الاقتصادية مشياً عاديّاً متعارفاً .
بيانه : أنّ نظام المعيشة المتعارفة للناس على إقدام من له الحاجة إلى الاقتراض ممّن عنده المال ، فإذا أبيح أخذ الربا لمن يقرض المحتاج وصار أخذه أمراً رائجاً شائعاً فلا محالة يصير الإقراض في متعارف الناس عدلا للبيع وسائر المعاملات الرائجة ، وينسدّ من هذه الناحية باب اصطناع المعروف ، وصار الإقدام عليه مثل الإقدام على البيع إقداماً على الاسترباح ، وكان من لا يطلب به ربحاً ورباً كمن يبيع مبيعه بلا ربح من مشتريه ، وهو نادر غير متعارف لايعدّ شيئاً ، وصحّ أن يقال : إنّ تجويز الربا يؤدّي إلى امتناع الناس عن اصطناع المعروف ، ويراد به امتناعهم عن ترك الربا كامتناعهم عن ترك الربح في البيع ؛ بمعنى أنّ الناس بحسب مشيهم الاقتصادي المتعارف يمتنعون عن اصطناع المعروف وعن الإغماض عن الربا القرضي . نعم ، من خرج عن هذا التعارف ولم يلاحظه فهو في سعة ، فقد يفعل إلى أوليائه معروفاً حسب ما أراد ، إلّا أنّه خارج عن المتعارف .
وهذا بخلاف ما إذا حرّم الربا ؛ فإنّه لمّا كان الاقتراض أمراً متعارفاً في نظام العيش الاقتصادي كان تحريم الربا حينئذ ترغيباً للناس إلى اصطناع المعروف ، اللّهمّ إلّا لمن خرج عن هذا التعارف ولم يقدم على الإقراض والاقتراض ، وهو الذي يذهب سبيل الحيل المذكورة ؛ فإنّ المصير إلى هذه الحيل والاسترباح إنّما يكون لمن خرج عن متعارف القرض الذي لا يكون على الفرض إلّا قرضاً حسناً وقام بصدد الاسترباح الجائز من أيّ طريق كان ، فيطلب مخرجاً يحصل به على ازدياد المال ، وإلّا فمن أراد المشي على طريق القرض الذي هو طريق متعارف فهو يتبع اصطناع المعروف .
البحوث الهامة في المكاسب المحرمة — صفحة 315
مساهمون: السيد محسن الخرازي
ص٣١٥