ويمكن الجواب عن هذه الاشكالات أوّلًا : بأن دلالة الأخبار الواردة في الحنطة والشعير على الكلية المذكورة واضحة بالتقريب الذي ذكرناه ، فالمنع عن دلالة الأخبار على الكلية مع أن لسانها لسان التعليل بما يحتوي الكبرى الكلي كما ترى . وحمله على الحكمة أو التقريب لاشاهد له بعد التنصيص بالتعليل .
وثانياً : بما في الحدائق من أنه لا يخفى أن ما أشرنا إليه من النصوص الواردة هنا وإن كان موردها جزئيات مخصوصة إلّا أن الحكم فيها ليس مقصوراً على تلك الجزئيات ؛ لعدم الخصوصية بل يتعدى إلى ما ضاهاها . وإذا انضم إليها ما نقلناه من الثقة الجليل عليّ بن إبراهيم من الكلام الذي نقله عن مشايخه وعليه اعتمد أيضاً ثقة الإسلام ( أي الكليني ) إذ من المعلوم ان نقله له في كتابه ليس إلّا بقصد الافتاء والعمل عليه « 1 » كالأخبار التي نقلها في
هامش
( 1 ) قال في اوّل أصول الكافي : وذكرت أن اموراً قد أشكلت عليك لا تعرف حقائقها ؛ لاختلاف الرواية فيها وانك تعلم أن اختلاف الرواية فيها لاختلاف عللها وأسبابها ، وأنك لا تجد بحضرتك لمن تذاكره وتفاوضه ممن تثق بعلمه فيها . وقلت إنك تحب أن يكون عندك كتاب كاف يجمع فيه من جميع فنون علم الدين ما يكتفي به المتعلم ويرجع إليه المسترشد ويأخذ منه من يريد علم الدين والعمل به بالآثار الصحيحة عن الصادقين ( عليهما السلام ) والسنن القائمة التي عليها العمل وبها يؤدّي فرض الله عزّوجلّ وسنّة نبيّه صلى الله عليه وآله وقلت : لو كان ذلك رجوت أن يكون ذلك سبباً يتدارك الله تعالى بمعونته وتوفيقه إخواننا وأهل ملتنا ويقبل بهم إلى مراشدهم . . . إلى أن قال : وقد يسّر الله وله الحمد تأليف ما سألت وأرجو أن يكون بحيث توخيت ( قصدت ) ( راجع مقدمة أصول الكافي 1 / 8 - 9 ) .
وأورد عليه معجم رجال الحديث بأن قول الكليني قبل هذه العبارة : فأعلم يا أخي أرشدك الله انه لا يسع أحد تمييز شيء مما اختلفت الرواية فيه عن العلماء عليهم السلام برأيه إلّا على ما أطلقه العالم بقوله عليه السلام اعرضوها على كتاب الله فما وافق كتاب الله عزّوجلّ فخذوه وما خالف كتاب الله فردّوه وقوله : دعوا ما وافق القوم فإن الرشد في خلافهم ، وقوله عليه السلام : خذوا بالمجمع عليه ، فإن المجمع عليه لا ريب فيه ، ونحن لا نعرف من ذلك إلّا أقلّه ولا نجد شيئاً أحوط ولاأوسع من ردّ علم ذلك كلّه إلى العالم عليه السلام وقبول ما وسع من الأمر فيه بقوله : بأيّما أخذتم من باب التسليم وسعكم ، وقد يسّر الله ولله الحمد تأليف ما سألت . . . الخ . ظاهر في أن محمد بن يعقوب لم يكن يعتقد صدور روايات كتابه عن المعصومين عليهم السلام جزماً وإلّا لم يكن مجال للاستشهاد بالرواية على لزوم الأخذ بالمشهور من الروايتين عند التعارض ، فان هذا لا يجتمع مع الجزم بصدور كلتيهما ، فإن الشهرة إنّما تكون مرجحة لتمييز الصادر عن غيره ، ولا مجال للترجيح بها مع الجزم بالصدور . ( معجم رجال الحديث 1 / 39 - 40 )
وفيه إنه وارد إن ثبت ان مقصود الكليني من ذلك هو روايات نفس الكافي ، وإلّا فإن كان مقصوده منه سائر الروايات فلا يدلّ على عدم اعتقاده بصدور روايات الكافي ، وإنما مقصوده من ذكر ذلك أنه اختار من بين الروايات ما هو مطابق مع الضوابط فتدبّر .