أنّه لا دليل على وجوب دفع الظلم في جميع الموارد وإلّا لوجب على الله وعلى الأنبياء والأوصياء الممانعة عن الظلم تكويناً مع أنّه تعالى هو الذي أقدر الإنسان على فعل الخير والشرّ وهداه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً وإن كان مدرك حكمه وجوب الإطاعة وحرمة المعصية لأمره تعالى بقلع مادّة الفساد فلا دليل على ذلك إلّا في موارد خاصة كما في كسر الأصنام والصلبان وسائر « هياكل العبادة » . « 1 »
وفيه : إنّ حكم العقل بوجوب دفع مادّة الإفساد واضح لأنّ المراد من قبح الظلم أنّ فاعله مستحق للذمّ بحكم العقل ، وهذا أمر من بديهيّات العقول فمقتضى كون الظلم قبيحاً بحكم العقل هو أن يكون الإضلال والإفساد أيضاً قبيحاً لأنّه من أظهر مصاديقه ؛ إذ هو ظلم في حقّ الله وحقّ العباد .
ولافرق بين أن يكون الإضلال والإفساد فعلًا مباشرياً أو فعلًا تسبيبيّاً ، فكما أنّ إلقاء الشبهة للإضلال محكوم بالقبح ، فكذلك حفظ كتب الضلال مع معرضيّتها للمراجعة إليها ، والإضلال قبيح عقلًا ؛ لأنّه نوع إضلال تسبيبيّ .
وهل ترى الإضلال التسبيبي أهون من فتح باب السيّارة مع معرضيّة لطرح الأطفال ونحوهم ؟ ألا ترى أن العقل يحكم باستحقاق مذمّة الفاتح لو طرح طفل من السيّارة وقتل ؟ فإذا حكم العقل في مثله بذلك فكيف لا يحكم به في حفظ ما يكون له المعرضية للإضلال والإفساد ؟ .
ثمّ إنّ عدم مخالفة الله تعالى عن تحقّق الظلم تكويناً لا ينافي ذلك لأنّ النظام الأتمّ يتقوّم بالاختيار فمع الممانعة التكوينيّة لا يبقى الاختيار ، والمفروض أنّ الحكمة أوجبت وجود النظام الأتمّ المتقوّم بالاختيار ليحصل فيه التكامل الاختياري الذي ليس له بدل في عالم من العوالم ، فلو منع الله تعالى تكويناً عن تحقّق الظلم والإفساد لزم الجبر والإلجاء ، وهو مناقض مع غرضه من خلقة النظام
هامش
( 1 ) مصباح الفقاهة : 254 .