علّامه شعرانى : و قد يقال : إنّ الخضر مروّج الطريقة الباطنة و الحقيقة و موسى عليه السّلام مؤسّس الشريعة و قد يخالف الطريقة الشريعة ، و الوجه الصحيح أنّ أمر اللّه واحد لا يختلف ، سواء تعلّق بأفعال الجوارح أو تزكية القلب و التوجّه إلى اللّه تعالى و لكنّ الواجب على صاحب الشريعة كموسى عليه السّلام و العلماء بها أن ينظروا في كلّ حكم من جميع جوانبها و لا يقتصروا على وجه واحد ، و هذا أصل عظيم أراد اللّه تعالى تعليم نبيّه موسى عليه السّلام ، حتّى يقتدى به غيره و لذلك أمثلة كثيرة ، منها : امتناع أصحاب أمير المؤمنين عن الحرب بعد رفع المصاحف لحرمة القرآن ، فنظروا من وجه واحد و تركوا مصلحة الأمّة و الإمام . « 1 »
مؤلف : سعيد بن جبير عن ابن عبّاس ، قال : أخبرني أبي كعب ، قال : خطبنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ، فقال : إنّ موسى قام خطيبا في بني إسرائيل ، فسئل : أيّ الناس أعلم ؟ قال :
أنا . فعتب اللّه عليه ، إذا لم يرد العلم إليه ، فأوحى اللّه إليه أنّ لي عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك .
علّامه شعرانى : تفاضل الأنبياء في العلم إنّما هو فيما أوحى إليهم من الشرائع و الأحكام للعباد و مصالحهم في الدنيا و الآخرة و هو من أصعب العلوم لا يهتدي إليها الحكما بعقولهم ، بل هو خاصّ بالأنبياء و مشرعو الأمم يأخذون منهم أخذا ناقصا مشوها ، ينظر كلّ منهم إلى وجه واحد و يراعون مصلحة خاصة في تشريعهم ، فمن فوائد هذه القصّة التنبيه على عدم إحاطة البشر علما بمصالح الأحكام لتعارضها . « 2 »
مؤلف : قيل : كيف يكون نبيّ أعلم من موسى في وقته ؟ قلنا : يجوز يكون الخضر خصّ بعلم ما لا يتعلّق بالأداء ، فاستعلم موسى من جهته ذلك العلم فقط و إن كان موسى عليه السّلام أعلم منه في العلوم التي يؤدّيها من قبل اللّه تعالى .
علّامه شعرانى : يعنى يجب أن يكون الحجّة أعلم فيما يتعلّق بأحكام الناس و يؤدّيه إليهم لا في جميع الأمور ممّا لا يجب تأديته إلى الناس و من المعلوم أنّ أعظم أفراد
هامش
( 1 ) . مجمع البيان ، ج 6 ، ص 480 .
( 2 ) . همان ، ص 481 .