الكذب والافتراء وهذا في النحو الرابع من أنحاء التشريع يكون واضحاً حيث يري نفسه كاذباً وأما في غير ذلك فإن كان ممن يكون خطاؤه في التطبيق وهو النحو الثالث فليس مصداق الكاذب أصلًا بل هو مخطئ وفي النحو الأول والثاني فإن كان معني الكذب هو عدم مطابقة الخبر للاعتقاد فهو غير كاذب وإن كان معناه عدم مطابقته للواقع فالخبر كذب ولكن المخبر إذا كان اعتقاده ذلك بالجهل المركب فهو ليس بكاذب وعدم مطابقة ما اعتقده للواقع لا يوجب شمول الآية له وهكذا العقل إن كان المدار علي عقله حيث إنه لا يري نفسه طاغياً بل يري ما فعله مقتضي عقله وحكم العقل بالقبح من العقلاء أيضاً لا يشمل هذا المورد لعدم التعمد ممّن تفوّه به .
والحاصل أن الذي لا يري نفسه كاذباً وطاغياً كيف يتوجه إليه خطاب من عقله أو من العقلاء أو من الشرع وفساد عمله بحسب موازين الشرع لا يوجب أن يكون مصداقاً للمفتري نعم بعد المحاجّة معه وإعلامه بأن هذا خلاف الواقع مع فهمه ذلك يصير مصداقاً له فلو بقي مع جهله المركب لا يكون لنا دليل علي حرمة ما ذكر في حقه فيكون كشارب الخمر مع اعتقاد أنه ماء للجهل بالموضوع فإذا لم يكن له نهي لا يجيء الكلام في قبح تشريعه وسرايته إلي العمل وعدمه بل ينحصر ذلك في النحو الرابع وهو الذي يري نفسه كاذباً فلو فرض أن مدعي النبوة أيضاً يعلم أنه غير نبيّ وكذا مدعي القصور في التبليغ يعلم عدم قصوره فيكون كاذباً وأما إذا لم يعلم فليس كذلك كما أنه إذا بلغ فيلسوف إلي مطلب يخالف الظواهر من الأدلة الاعتقادية أو يخالف مع ما بلغ إليه العقل السليم ولكن لم يكن عن عمد يشكل الحكم بكفره والحكم بقتله لأنه معذور يكون من القاصرين ولكن الظن القوي هو وضوح السبيل ولا تصل النوبة إلي هذا إلا نادراً نعم من كفّره المعصوم عليهالسّلام يكون كافراً .
دقائق الأصول (دراسات في الأصول) — صفحة 189
مساهمون: الشيخ محمد على إسماعيل پور القمشهاى
ص١٨٩