ثم إن بعض الأعاظم قال بما حاصله إن الاستعمال هنا يكون حقيقة لا مجازا لأن الوضع سواء كان بمعني التعهد والالتزام النفساني أو بمعني اعتبار نفساني لازال يكون مقدما علي الاستعمال ولا فرق بين أن يكون إبراز هذا التعهد ونحوه بمثل لفظ « وضعت » أو نفس الاستعمال الدالّ عليه بمعونة القرينة فيكون نظير الهبة الحاصلة تارة بقول القائل « وهبت » أو بقوله « خذ هذا الثوب » الدالّ علي الهبة بالالتزام وغاية ما يلزم في الاستعمال الحقيقي هو أن لا يكون قبل الوضع ، وأما مقارنته معه فهي غير مضرة بكون الاستعمال استعمالا في المعني الحقيقي لعدم لزوم التقدم الزماني بل التقدم الطبعي الذي يكون بين التعهد والاستعمال كاف في ذلك .
وفيه أن هذا ليس إلا اتعاب النفس لما لا يلزم في الاستعمال بعد كون الطبع يستحسنه سواء كان حقيقة أو مجازا وهو في نفسه خلاف الدقّة لأن الوضع متوقف علي الاستعمال بلا إشكال فما لم يكن استعمال لا يكون لنا وضع ليكون الاستعمال فيما وضع له والتقدم الطبعي للتعهد لا يكفي بعد كون المبرز له كأنه العلّة التامّة لتحقّقة فإن العرف لا نظر له إلي باطن الواضع أنه كيف يريد ويتعهد بل يري ما هو الظاهر وهو الإبراز ولو فرض عدم إرادة أصلا للواضع لا يكون المبرز قاصرا عن الدلالة علي الوضع . فالاستعمال قبل تحقّق الوضع زمانا ليس استعمالا فيما وضع له اللفظ لنقول إنه حقيقة ولا ثمرة مهمّة في صدق الحقيقة وعدمه .
فتحصّل من جميع ما تقدم امكان الوضع باستعمال اللفظ في المعني مع القرينة الدالّة علي أنه يريد الوضع بذلك .
الأمر الثاني : في أن البحث في الحقيقة الشرعية هل يختصّ بالألفاظ المخترعة في هذا الشرع أي الإسلام المقدس أو يعمّ حتى ما كان له حالة سابقة في المعني
دقائق الأصول (دراسات في الأصول) — صفحة 87
مساهمون: الشيخ محمد على إسماعيل پور القمشهاى
ص٨٧