الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ »
« 1 » والوقف نوع من البرّ .
فإن قلت : يعارض هذه الآية قوله تعالي :
« لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ »
« 2 » فإن المؤمن لا يوادّ مع الكافر المحادّ لله ولرسوله .
قلت : إنّه لا معارضة أصلًا بين الآيتين ، بل هذه الآية يكون في مورد المحادّة الظاهرة في المخالفة الفعلية وتلك الآية تكون في مورد عدم المقاتلة الكاشف عن عدم المخالفة بالنسبة إلي أساس الإسلام وإن كان المخالفة بلحاظ ما عليه ملة الكفر من الآداب والرسوم .
والوجه الرابع ، أنّه يدلّ علي الجواز في خصوص الوالدين قوله تعالي :
« وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ »
« 3 » بتقريب أنّ الأمر بالمصاحبة بالمعروف يكون حتى مع إلقاء الكافر عقيدته الشركية إلي ولده فضلًا عن عدم كونه كذلك ، ولكن هذا الإحسان لابدّ أن يكون مع حفظ سبيل من أناب إلي الله تعالى . وقوله تعالي :
« وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً »
« 4 » فإنّه بإطلاقه يدل علي الإحسان إليه حتى إذا كان كافراً ومن الإحسان إليه الوقف له .
هذا كلّه مع ما نري من سيرة المتشرّعة من علماء الدين وغيرهم علي المحادثة معهم والإحسان إليهم والتعارف معهم في حدّ محدود في المجامع والطرق إذا لم يكونوا في حال الخدعة والمخالفة مع المسلمين ولم يردع
هامش
( 1 ) الممتحنة ، 8 .
( 2 ) المجادلة ، 22 .
( 3 ) لقمان ، 15 .
( 4 ) الأحقاف ، 15 .