ب . بين التوحيد فى الإسلام و بين ثنوية المجوس :
و تارة يطرح الإسلام التوحيد فى مقابل ثنوية المجوس القائلين ، بأنّ يزدان و أهريمن خالقان للنور و الظلمة ، و القبح و الجمال .
و كانوا يعتقدون بأنّ أى شىء جميل ، تدركه الأبصار ، من قبيل : النور ، و البهجة ، و السرور ، و النسيم ، و الخضرة ، و المناظر الجميلة ، و البحار المليئة باللؤلؤ و المعادن الذهبية و الفضة ، و الحيوانات الجميلة الألون و الشكل ، و المأكولة اللحم ، كلّ هذه الأشياء من خلق يزدان يعنى إله النور ، و إنّ كلّ شىء قبيح ، من قبيل : الظلمة ، و الخوف ، و الغصّة ، و الحية ، و العقرب ، و الميكروبات المضرة ، و ما شابهها فى القبح ، هى من خلق أهريمن - يعنى ربّ الظلمة - و لم يكن مذهب الثنوية سائداً فى محيط مكة و المدينة فى ذلك العصر إلّا به شكل قليل و محدود جدا ، نتيجة للروابط التجارية التى كانت تقوم أحياناً بين الحجازيين و الإيرانيين آنئذ .
نعم ؛ و قد أشار القرآن المجيد - فى بعض الآيات - الى أنّ كلًا من النور و الظلمة من خلق اللَّه الواحد ، و تحت إرادته ، و بمشيئته البالغة ، فهو يقول :
« الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ جَعَلَ الظُّلُماتِ وَ النُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُون » . « 1 »
أى يجعلون له عدلًا و شريكاً ، و يزعمون ان النور مخلوق للَّهو الظلمة مخلوقة لغيره . و قال تعالى أيضاً فى كتابه الكريم :
« وَ قَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ » . « 2 »
و فى مقابل اعتقاد هؤلاء ، نجد الإسلام يدعونا الى التوحيد الخالص ، و الى الإعتقاد بأن كل موجودات العالم مخلوقة للَّهالواحد ، و تحت إرادته ، و جارية على سنن واحدة ، و فى حركة واحدة . نعم ان عالم الوجود - بأسره - كالنهر الجارى ، له فى حركته و جريانه مبدأ و منتهى :
هامش
( 1 ) سورهء انعام ، آيهء 1 .
( 2 ) سورهء نحل ، آيهء 51 .