عفيفاً عالماً ورعاً عارفاً بالقضاء والسنّة ، يجمع أمرهم ، ويحكم بينهم ، ويأخذ للمظلوم من الظالم حقّه ، وبحفظ أطرافهم ، ويجبي فيئهم ، ويقيم حجّتهم ، ويجبي صدقاتهم ، ثمّ يحتكمون إليه في إمامهم المقتول ظلماً ليحكم بينهم بالحقّ ، فإن كان إمامهم قتل مظلوماً حكم لأوليائه بدمه ، وإن كان ظالماً نظر كيف الحكم في ذلك .
هذا أوّل ما ينبغي أن يفعلوه ، أن يختاروا إماماً يجمع أمرهم إن كانت الخيرة لهم ، ويتابعوه ويطيعوه ، وإن كانت الخيرة إلى اللَّه تعالى وإلى رسوله ، فإنّ اللَّه قد كفاهم النظر في ذلك والاختيار ، ورسول اللَّه قد رضي لهم إماماً وأمرهم بطاعته واتّباعه ، وقد بايعني الناس بعد قتل عثمان ، وبايعني المهاجرون والأنصار بعدما تشاوروا بي ثلاثة أيّام ، وهم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان وعقدوا إمامتهم ، ولي بذلك أهل بدر والسابقة من المهاجرين والأنصار ، غير أنّهم بايعوهم قبلي على غير مشورة من العامّة وأنّ بيعتي كانت بمشورة من العامّة .
فإن كان اللَّه عزّوجلّ جعل الاختيار إلى الامّة وهم الذين يختارون وينظرون لأنفسهم ، واختيارهم لأنفسهم ونظرهم لها خير لهم من اختيار اللَّه ورسوله لهم ، وكان من اختاروه وبايعوه بيعته وبيعة هدىً ، وكان إماماً واجباً على الناس طاعته ونصرته ، فقد تشاوروا فيّ واختاروني بإجماع منهم .
وإن كان اللَّه عزّوجلّ هو الذي يختار ، له الخيرة ، فقد اختاروني للُامّة ، واستخلفني عليهم ، وأمرهم بطاعتي ونصرتي في كتابه المنزل وسنّة نبيّه صلى الله عليه وآله فذلك أقوى لحجّتي وأوجب لحقّي » . « 1 »
ثمّ إنّ وجه الاستدلال إيجابه عليه السلام تحرّي الوليّ والحاكم أشدّ التحرّي ، بحيث كان مقدّماً على الأكل والشرب وسائر الأفعال .
إن قلت : يظهر التنافي بين صدر الحديث وذيله الذي ذكرناه ؛ فإنّ مقتضى الصدر تعيّن الانتخاب وكونه بيد الناس ، وذيله يدلّ على التخيير ؛ لدلالة قوله عليه السلام : « فإن كان الاختيار إلى الامّة . . . » وقوله : « وإن كان إلى اللَّه . . . » على عدم ذلك التعيّن .
هامش
( 1 ) . كتاب سليم بن قيس ، ص 752 - 753 ؛ بحار الأنوار ، ج 33 ، ص 143 - 144 .