وفي رواية أخرى : أنّه عليه السلام لمّا سمع تحكيمهم قال : حكم اللَّه أنتظر فيكم . وقال : أمّا الأمرة البرّة فيعمل فيها التقي ، وأمّا الإمرة الفاجرة فيتمتّع فيها الشقيّ إلى أن تنقطع مدّته وتدركه منيّته . « 1 »
وعن كنز العمّال عن عليّ عليه السلام : « لا يصلح الناس إلّاأمير برّ أو فاجر » ، قالوا : يا أمير المؤمنين هذا البرّ ، فكيف بالفاجر ؟ قال : « إنّ الفاجر يؤمن اللَّه به السبيل ، ويجاهد به العدّو ، ويجبي الفيء ، ويقام به الحدود ، ويحجّ به البيت ، ويعبد اللَّه فيه المسلم آمناً حتّى يأتيه أجله » . « 2 »
وعنه أيضاً قال : دخل رجل المسجد فقال : لا حكم إلّاللَّه ، فقال عليّ عليه السلام : « لا حكم إلّا للَّه « إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذينَ لا يُوقِنُونَ » « 3 » فما تدرون ما يقول هؤلاء ، يقولون : لا إمارة ، أيّها الناس إنّه لا يصلحكم إلّاأمير برّ أو فاجر » . قالوا : هذا البرّ قد عرفناه ، فما بال الفاجر ؟ فقال : « يعمل المؤمن ، ويملى للفاجر ، ويبلغ اللَّه الأجل ، وتأمن سبلكم ، وتقوم أسواقكم ، ويقسم فيئكم ، ويجاهد عدوّكم ، ويؤخذ للضعيف من القوي ، أو قال : من الشديد منكم » . « 4 »
أقول : أفعال الإنسان وعقائده في الدنيا أسباب تكوينيّة لعيشه في الآخرة ، بسعادة أو شقاوة ، والإنسان بنفسه لا يقدر أن يميّز بين الأسباب ، كما أنّه محجوب عنده حال المسبّبات ، وله مع ذلك أعمال يريد بها حياته الدنيويّة ، فيحتاج إلى برامج تبيّن له حال الأمور المذكورة ، ولا يتحصّل ذلك إلّابالدين الذي هو من عند العالم بحاله ، الحكيم في فعاله ، ومع عدم الدين فالبشر بنفسه لا يوقف إلّابرنامجاً لإدارة حال دنياه وعيشه في هذا العالم ، فأحكام الدين برامج ذات أبعاد ثلاثة : ما يتعلّق بإدارة حياته الدنيويّة ، وما يتعلّق بأسباب السعادة الاخرويّة وما يتعلّق بأسباب الشقاوة الاخرويّة ، فالأحكام المجعولة
هامش
( 1 ) . نهج البلاغة ، ص 83 ، الخطبة 40 .
( 2 ) . كنز العمّال ، ج 5 ، ص 751 ، ح 14286 .
( 3 ) . الروم ( 30 ) : 60 .
( 4 ) . كنز العمّال ، ج 11 ، ص 319 ، ح 31618 .