جعل الوالي المدير لأمر دنياهم ، فلا يجب على الشارع نصبه ، بل يتركهم على ضلالهم ، فقد يختارون لأنفسهم وقد يتسلّط عليهم أحد قهراً .
نعم حيث إنّهم مكلّفون والشارع قد وجّه إليهم أحكام دينه وطلب منهم العمل وإن لم يقبلوا ولم يعملوا ، فمقتضاه جعل الوالي لهم أيضاً إنشاءً ؛ للتلازم بينهما ، فيرجع إلى الدليل الأوّل .
ثمّ إنّ مفاد هذه الأدلّة تحقّق النصب من الشارع .
وكون المنصوب مشروطاً بشروط :
منها : كونه قيّماً ؛ أي شديد القيام بأمر الولاية ، ولازمه القدرة عليها .
ومنها : كونه أميناً حافظاً مستودعاً ، ولعلّها عبائر متقاربة تفيد الأمانة أو القدرة أيضاً .
وكون مورد الولاية :
1 - المنع من الفساد ؛ أي إيجاد الأمن في المجتمع .
2 - إجراء الحدود والتعزيرات .
3 - إجراء الأحكام ، وهو بالتصدّي لمراحل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
4 - والقتال مع العدوّ ، وهو التصدّي للجهاد الابتدائي والدفاعي ، وتقسيم الفيء وهو الغنائم والخراجات والمقاسمات وعوائد الأرض المفتوحة عنوة .
5 - إقامة الجمعات بنصب أئمّتها وكذا الجماعات .
6 - والقضاء بين الناس ويشمل نصب القضاة .
الدليل الحادي عشر : ما يستفاد من كلام أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة من لابديّة وجود الحاكم والوليّ المدير لُامور الناس برّاً أو فاجراً .
قال في الخوارج لمّا سمع قولهم : لا حكم إلّاللَّه : « كلمة حقّ يراد بها الباطل ، نعم إنّه لا حكم إلّاللَّه ، ولكن هؤلاء يقولون : لا إمرة إلّاللَّه ، وإنّه لابدّ للناس من أمير برّ أو فاجر يعمل في إمرته المؤمن ، ويستمتع فيها الكافر ، ويبلغ اللَّه فيها الأجل ، ويجمع به الفيء ، ويقاتل به العدوّ ، وتأمن به السبل ، ويؤخذ به للضعيف من القوي حتّى يستريح برّ ، ويُستراح من فاجر » . « 1 »
هامش
( 1 ) . نهج البلاغة ، ص 82 ، الخطبة 40 .