للمجتمع من قبل نفسه وإن أمكن وفاؤه بعيشه الدنيويّة ، لكنّه لا يكون حائزاً لحال آخرته ، فالدستور الجامع والقوانين العامّة الشاملة لسعادته الدنيويّة والاخرويّة لا يكون إلّامن اللَّه ، وهذا هو معنى قوله : « لا حكم إلّاللَّه » أي الأحكام الكلّية المتضمّنة لإصلاح حال المجتمع في دنياه وعقباه لا تكون إلّاللَّه ، وليس المراد أنّه لا حكم تكويني إلّاللَّه ؛ لأنّه وإن كان حقّاً ثابتاً فإنّه الذي يقول : كن فيكون ، إلّاأنّه ليس مراد المقاتلين مع عليّ عليه السلام في نهروان وغيره .
ثمّ إنّ وجه الاستدلال بالأخبار المذكورة بعد الحكم بضرورة وجود الحاكم للُامّة برّاً أو فاجراً ، أنّه يعلم منها أنّ اللَّه تعالى قد اختار ذلك لكلّ امّة ، ولا إشكال في أنّه لا يختار الفاسق الفاجر ، فالمختار هو القيّم الأمين .
الدليل الثاني عشر : ما رواه سليم بن قيس الهلالي ، من أنّ معاوية لعنه اللَّه كتب كتاباً مفصّلًا في صفّين إلى عليّ عليه السلام وأرسله بواسطة أبي الدرداء وأبي هريرة ، وفيه : ثمّ حصر عثمان فاستنصركم فلم تنصروه ، ودعاكم فلم تجيبوه وبيعته في أعناقكم ، وأنتم يا معشر المهاجرين والأنصار حضور شهود فخلّيتم عن أهل مصر حتّى قتلوه ، وأعانهم طوائف منكم على قتله ، وخذله عامّتكم فصرتم في أمره بين قاتل وآمر وخاذل ، ثمّ بايعك الناس وأنت أحقّ بها منّي ، فأمكنّي من قتلة عثمان حتّى أقتلهم وأُسلّم الأمر لك وأبايعك أنا وجميع من قبلي من أهل الشام .
فلمّا قرأ عليّ عليه السلام كتاب معاوية وبلّغه أبو الدرداء وأبو هريرة رسالته ومقالته قال عليّ عليه السلام لأبي الدرداء : قد أبلغتماني ما أرسلكما به معاوية ، فاسمعا منّي ثمّ أبلغاه عنّي وقولا له : إنّ عثمان بن عفّان لا يعدو أن يكون أحد رجلين ؛ إمّا إمام هدىً ، حرام الدم ، واجب النصرة ، لا تحلّ معصيته ، ولا يسع الأُمّة خذلانه ، أو إمام ضلالة ، حلال الدم ، لا تحلّ ولايته ولا نصرته ، فلا يخلو من إحدى الخصلتين .
والواجب في حكم اللَّه وحكم الإسلام على المسلمين بعدما يموت إمامهم أو يقتل ، ضالًاّ كان أو مهتدياً ، مظلوماً كان أو ظالماً ، حلال الدم أو حرام الدم ، أن لا يعملوا عملًا ، ولا يحدثوا حدثاً ، ولا يقدّموا يداً ولا رجلًا ، ولا يبدءوا بشيء قبل أن يختاروا لأنفسهم إماماً
التعليقة الإستدلالية على العروة الوثقى — صفحة 670
مساهمون: الشيخ علي المشكيني
ص٦٧٠