الدليل العاشر : ما يستفاد من معتبر فضل بن شاذان ، ففيه : « فإن قال قائل : فلم جعل اولي الأمر وأمر بطاعتهم ؟ قيل : لعلل كثيرة :
منها : أنّ الخلق لمّا وقفوا على حدّ محدود وأمروا أن لا يتعدّوا ذلك الحدّ لما فيه من فسادهم ، لم يكن يثبت ذلك ولا يقوم إلّابأن يجعل عليهم فيه أميناً يمنعهم عن التعدّي والدخول فيما خطر عليهم ؛ لأنّه لو لم يكن ذلك كذلك لكان أحد لا يترك لذّتة ومنفعته لفساد غيره ، فجعل عليهم قيّماً يمنعهم من الفساد ويقيم فيهم الحدود والأحكام » . « 1 »
وإن شئت تقريب الاستدلال على نحو تأليف القياس فقل : إنّ تحقّق العمل بأحكام الدين في المجتمع وجريها العملي فيهم يتوقّف على نصب أمين يمنعهم عن الانحراف ، وما يتوقّف عليه المطلوب الواجب واجب عقلًا بل وشرعاً ولو إرشاداً ، فيثبت أنّ الشارع قد نصب حاكماً أميناً على الامّة ، وإلّالأخلّ بواجبه .
« ومنها : أنّه لو لم يجعل لهم إماماً قيّماً أميناً حافظاً مستودعاً لدرست الملّة ، وذهب الدين ، وغيّرت السنن والأحكام ولزاد فيه المبتدعون ، ونقص منه الملحدون ، وشبّهوا ذلك على المسلمين » . « 2 »
وهذا الدليل ناظر إلى مرحلة بقاء الدين ودوام الشريعة ، وصورة القياس أن يقال : بقاء الدين ودوامه في المجامع البشريّة يتوقّف إلى الحاكم الأمين الحافظ لحدود اللَّه ، والمتكفّل لحفظ وديعة اللَّه وما يتوقّف عليه الواجب واجب .
ومفاد الدليلين تحقّق النصب من الشارع وبيان بعض شروط المنصوب .
« ومنها : أنّا لا نجد فرقة من الفرق ولا ملّة من الملل بقوا وعاشوا إلّابقيّم ورئيس ؛ لما لابدّ لهم منه في أمر الدين والدنيا ، فلم يجز في حكمة الحكيم أن يترك الخلق ممّا يعلم أنّه لابدّ لهم منه ، ولا قوام لهم إلّابه ، فيقاتلون به عدوّهم ، ويقسمون به فيئهم ، ويقيمون به جمعتهم وجماعتهم ، ويمنع ظالمهم من مظلومهم » . « 3 »
وهذا الدليل يرجع إلى الأوّل ؛ فإنّ الملّة إن لم تكن مسلمة مطيعة وكان مقتضى الضرورة
هامش
( 1 ) . علل الشرائع ، ص 253 ، ح 9 .
( 2 ) . علل الشرائع ، ص 253 ، ح 9 .
( 3 ) . علل الشرائع ، ج 1 ، ص 253 ، ح 9 .