لسقيت آخرها بكأس أوّلها ، ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز » . « 1 »
بتقريب أنّ مقتضى أخذ العهد والميثاق على عدم موافقتهم على ظلم الناس بعضهم بعضاً ، أن يتكفّلوا لتصدّي الولاية بأنفسهم ، ولا يدعوها بيد الظلمة الفسقة .
وفيه : أنّ عدم الموافقة على الظلم والسغب إمّا عدم الموافقة قولًا ؛ بأن لا يمضوا ذلك ولا يؤيّدوها ، أو عملًا ؛ بأن لا يشاركوا الظلمة في الظلم ، وعلى أيّ حال ، لا يدلّ على وجوب تصدّيهم للولاية على الظالم والمظلوم ، وعلى الامّة جميعاً .
ولكن يمكن أن يقال : إنّ الموافقة على أمر قد يكون بإعداد الأسباب وإيجاد المقتضي ، وقد يكون بعدم إيجاد المانع ، وحينئذٍ : فلو فرض الكلام في المجتمع الكبير - كما إذا تسلّط الجبّارون والمترفون في مملكة على نفوس الضعفاء وأموالهم ، ولا يمكن الإصلاح إلّا بتشكيل حكومة - فمقتضى حرمة الموافقة ، الإقدام على تشكيل الحكومة وإيجاد المانع ، فيدلّ الخبر على وجوب ذلك على العلماء ، فالمقتضي لكظّة الظالم وسغب المظلوم موجود ، فيكون قيام العلماء وتشكيلهم الحكومة الحقّة الرادعة ، مانعاً عن التأثير ، ويكون سكوتهم ابقاءً لعدم المانع وموافقة من هذه الجهة .
الدليل الخامس : ما ذكره البعض في الاستدلال به على المطلوب وهو الولاية الاستقلاليّة للفقيه الواجد لشروط الإفتاء ، وهو ما رواه في الكافي بسندٍ صحيح عن محمّد بن مسلم ، قال : سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول : « كلّ من دان اللَّه عزّوجلّ بعبادة يجهد فيها نفسه ولا إمام له من اللَّه ، فسعيه غير مقبول ، وهو ضالّ متحيّر ، واللَّه شانئ لأعماله . . . واللَّه يا محمّد ، من أصبح من هذه الامّة لا إمام له من اللَّه عزّوجلّ ظاهر عادل أصبح ضالّاً تائهاً ، وإن مات على هذه الحالة مات ميتة كفر ونفاق . واعلم يا محمّد أنّ أئمّة الجور وأتباعهم لمعزولون عن دين اللَّه ، قد ضلّوا وأضلّوا ، فأعمالهم التي يعملونها كرماد اشتدّت به الريح في يوم عاصف ، لا يقدرون ممّا كسبوا على شيء ، ذلك هو الضلال البعيد » . « 2 »
هامش
( 1 ) . نهج البلاغة ، ص 50 ، الخطبة 3 .
( 2 ) . الكافي ، ج 1 ، ص 183 ، ح 8 .