في جميع شؤون التدبير ، وإلّافلا معنى لدعوة المالك من محلّ شغله وإعزامه إلى مصر ، ويعلم من مجموع العهد الذي كتبه إليه أنّه لم يكن إرساله إليه بمجرّد انقياد الناس لدولة عليّ عليه السلام ، بل لتنفيذ الدولة الإسلاميّة الكافلة لجميع شؤون ولاية المجتمع .
فالمحصّل من الحديث : أنّ تولّي العالم العادل المتمكّن من إدارة المجتمع إذا لم يكن هناك معصوم متصدّ لذلك ممّا شرّعه اللَّه تعالى في الإسلام ، ويبقى الكلام حينئذٍ في كيفيّة التصدّي إذا كان واجد الشرائط متعدّداً ، وفي بعض شرائط المتصدّي .
وبعبارة أخرى : هل كان النصب المذكور واجباً على أمير المؤمنين عليه السلام ، أو مندوباً ، أو مباحاً .
لا يمكن القول بالأخيرين ؛ لأنّ الأمر المذكور من الأمور التي يترتّب عليه أحكام هامّة إسلاميّة كثيرة ، بل به حياة الدين ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، ووصول الحقوق إلى أهلها ، ومنع الظالم عن التعدّي إلى المظلوم ، وغير ذلك ممّا لا يحصى ، فلا يمكن أن يكون متساوي الطرفين أو مندوباً ، بل هو من أوجب الواجبات ، فيتحصّل أنّ تولّي العارف العالم القادر على إدارة أمر الامّة ممّا هو مطلوب أكيد للشارع ، وهذا هو المطلوب في كلّ عصر ومصر .
وأمّا أنّ النصب المذكور وتعيين المتصدّي بيد من ، فهو أمر آخر ، وله طرق ثلاث بحسب بادئ النظر :
الأوّل : أن يكون بيد الناس .
الثاني : أن يكون إلى نفس الصالحين للتصدّي .
الثالث : أن يكون بنصب الشارع وتعيينه .
والثاني مستلزم لعروض اختلاف في الأمر وطروّ مفاسد ، فيبقى الأوّل والآخر ، وسيأتي إن شاء اللَّه البحث في ذلك ، والمبحوث عنه فعلًا إثبات لزوم تصدّي الفقيه العادل لأمر الولاية على المسلمين .
الدليل الرابع : قوله عليه السلام في نهج البلاغة في الخطبة المعروفة بالشقشقيّة ، وفيها : « أما والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة ، لولا حضور الحاضر ، وقيام الحجّة بوجود الناصر ، وما أخذ اللَّه على العلماء أن لا يقارّوا على كظّة ظالم ، ولا سغب مظلوم ، لألقيت حبلها على غاربها ،
و
التعليقة الإستدلالية على العروة الوثقى — صفحة 658
مساهمون: الشيخ علي المشكيني
ص٦٥٨