العوارض ، في رجل فقيه تامّ الفقاهة ، لكنّه منزو عن الناس ومنعزل عنهم ، لا صلاة له جماعة ، ولا يعطيه أحد من الوجوه الشرعيّة ، ولا يتصدّى للُامور الحسبيّة ، وليس في البلد أو المملكة غيره ، أو كان غير أعلم ، فاحتاج الناس إليه في الأحكام ، وهو مورد وثوق في أقواله ، وهو غير عادل أو غير إمامي أو غير مسلم ، فهل يتركه الناس ويعملوا في أحكامهم بالظنّ والشكّ ويبقوا غير مقلّدين ، أو يقلّدوا غير الأعلم بل المتجزّئ الذي لم يستنبط الأشياء يسيراً ، فالظاهر أنّ مقتضى الأدلّة الرجوع كما يرجع إلى الطبيب غير العادل والإمامي والمسلم .
الدليل الثالث : ما كتبه عليّ عليه السلام إلى مالك الأشتر ، وهو أطول عهد كتبه وأجمعه للمحاسن ، وفيه تفويض رئاسة عامّة للمالك ، واعطاء سلطة كاملة له على النفوس والأموال .
فينبغي أوّلًا بيان حال نفس المنصب - وهو الولاية المبحوث عنها - وما يدلّ عليه من عبارات الكتاب ، ثمّ بيان شيء من حال من له المنصب والولاية ، ثمّ ذكر وجه الاستدلال ، فيقع الكلام في مقامات :
أمّا المقام الأوّل : فقد قال عليه السلام : « إنّ الناس ينظرون من أمورك في مثل ما كنت تنظر فيه من أمور الولاة قبلك ، . . . فإنّك فوقهم ووالي الأمر عليك فوقك ، واللَّه فوق من ولّاك ، . . . ولا تقولنّ إنّي مؤمّر آمر فأطاع ، فإنّ ذلك إدغال في القلب ، . . . وإذا أحدث لك ما أنت فيه من سلطانك أُبّهة أو مخيّلة ، فانظر إلى عظم ملك اللَّه » .
المشورة : « ولا تدخلنّ في مشورتك بخيلًا . . . ولا جباناً . . . ولا حريصاً يزيّن لك الشرة » .
الوزراء : « إن شرّ وزرائك من كان للأشرار قبلك وزيراً ، . . . فلا يكوننّ لك بطانة ، . . . وأنت واجد منهم خير الخلف ممّن له مثل آرائهم ، . . . فاتّخذ أولئك خاصّة لخلواتك وحفلاتك » .
الرعيّة : « فليكن منك في ذلك أمر بجميع لك به حسن الظنّ برعيّتك ، . . . واعلم أنّ الرعيّة طبقات . . . فمنها جنود اللَّه ، ومنها كتاب العامّة والخاصّة ، ومنها قُضاة العدل ، ومنها أهل الجزية والخراج من أهل الذمّة ، . . . ومنها الطبقة السفلى من ذوي الحاجة والمسكنة ، وكلّ قد سمّى اللَّه له سهمه » .
التعليقة الإستدلالية على العروة الوثقى — صفحة 655
مساهمون: الشيخ علي المشكيني
ص٦٥٥