تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التعليقة الإستدلالية على العروة الوثقى — صفحة 236

مساهمون:

ص٢٣٦
شرح
الاسراء ، فأوهمهم ظاهر الأمر الصادر أنّ الغنائم ملك لهم ، وأنّ لهم الأخذ والتصرّف فيها استقلالًا ، فوقع بينهم الاختلاف في ملكيّة بعضهم ومقدار ملكيّة أخرى ، فسألوا النبيّ صلى الله عليه وآله عن ذلك وعمّن يملكها ومقدار ملكيّته وكيفيّة تقسيمها ، فنزل قوله تعالى : « يَسْئَلُونَكَ عَنِ الأَنْفالِ قُلِ الأَنفالُ للَّهِ وَالرَّسُولِ » . وظاهر ما أجابهم به تعالى أنّ ما غنموه كلّه أنفال ، والأنفال كلّها للَّه‌و للرسول ؛ وذلك لورود الآية في مورد سؤالهم ؛ ولأنّ اللام في كلمة الأنفال الثانية للجنس أو الاستغراق - لشهادة تكرارها بلفظها دون الضمير - ولو قلنا بكونها في الأولى للعهد ، فالمراد أنّ أمرها بيده وهو التصرّف فيها بما شاء وكيف شاء ، فأبطل اللَّه تعالى ما زعموا من ملكهم لها مستقلّاً وكون أمرها بيدهم تامّاً ، وعليه فلا وجه لتوهّم كون آية الأنفال ناسخة لقوله تعالى « فَكُلُوا مِمَّا غَنِمتُم حَلَالًا طَيِّبَاً » بتخيّل أنّ اللَّه تعالى قد أحلّ لهم الغنيمة وملّكها إيّاهم أوّلًا ثمّ حرّمها عليهم وفوّضها للرسول ثانياً . ووجه بطلان التوهّم ما عرفت من أنّ الأمر بالأكل لم يكن إيجاباً مولويّاً ولا إرشاداً إلى الملكيّة ، بل حيث كان واقعاً بعد الحذر أفاد الترخيص والإباحة في الجملة ، فلم يناف نزول تكليف آخر يبيّن طريق الأكل والتصرّف ، ويهدي إلى أنّ كلمة « من » التبعيضيّة في قوله : « فَكُلُوا مِمَّا غَنِمتُم » وتقييد الأكل بالحليّة والطيب قد أحوجتهم إلى تعيين التكليف ببيان آخر . وأمّا آية الخمس ففي وقت نزولها احتمالان : الأوّل نزولها في وقعة بدر أيضاً قبل قسمة الغنائم ، والثاني نزولها بعدها في واقعة أخرى . فإن كان الأوّل فلا تعارض بينها وبين آية الأنفال ، بل هي في الحقيقة بيان لحالها وتفسير لما أجمل أو أطلق فيها من كون أمرها بيد الرسول ، وحيث إنّ الموصول في قوله تعالى : « مَا غَنِمتُم » يشمل جميع ما بأيدي العسكر من الغنائم إذ لم يكن فيها قطائع وأراضي بل وصفايا أيضاً ، بل كان كلّها ممّا ينقل ويحول ، فبيّن تعالى أنّ معنى كونها للنبي وباختياره تولّيه
التعليقة الإستدلالية على العروة الوثقى — صفحة 236 | الشيخ علي المشكيني / ابراهيم طاهرى كيا