شرح
وقوله تعالى : « يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ للَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ » « 1 » .
وقوله تعالى : « وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكينِ وَابْنِ السَّبيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَديرٌ » « 2 » .
ويظهر من التواريخ وكلمات المفسّرين ومن نفس السورة الشريفة أنّها نزلت عند وقعة بدر وبعدها ، ولذلك كان ابن عبّاس يسمّيها سورة بدر ، « 3 » كما أنّ الآيات المذكورة حاكية عن حصول غنائم ماليّة بيد المقاتلين في تلك الواقعة ، وعن وقوع الاختلاف فيما بينهم في من يملكها ، وكيفيّة تقسيمها وتملّكها ، وعليه فمقتضى التأمّل في مفاهيم الجميع ، أنّه بعد أن أظفر اللَّه المسلمين على الكفّار حصلت عندهم غنائم كثيرة ؛ منها سبعون أسيراً من أشراف قريش وصناديدهم ورؤسائهم ، وحيث كانت العادة في تلك العصور حفظ الأسارى لأخذ الفدية فحفظوهم طمعاً لذلك ، بل لمّا خافت الأنصار أن يأمر النبيّ بقتل الأسارى طلبوا منه وسألوه الاستبقاء وأخذ الفداء ، فنزلت الآيات الثلاث الأولى ، وفيها توبيخ المسلمين المقاتلين ولومهم على ذلك ؛ لأجل أنّ الأنبياء لم يفعلوا ذلك إلّابعد ثبات حكومتهم وقيامها على ساقٍ ، وهو المراد من الأثخان في الآية ؛ أي التغليظ في الأمر ، وكان ذلك منهم طمعاً في الفداء وأخذ ثمن من حكّام الدنيا .
ثمّ إنّ اللَّه تعالى عفى عنهم بعد ذلك ؛ لما سبق منه أن لا يعذّب أحداً قبل أن يبعث رسولًا ، وأن لا يعذّب قوماً حتّى يبيّن لهم ما يتّقون ، فأمرهم بالتصرّف والأكل من الغنائم ومن فداء
هامش
( 1 ) . الأنفال ( 8 ) : 1 .
( 2 ) . الأنفال ( 8 ) : 41 .
( 3 ) . أسباب النزول ، الواحدي ، ص 128 .