شرح
عن المكلّف حسناً ، وشرب الخمر ذو مفسدة وصدوره عنه قبيح . وبين العنوانين فرق من جهتين :
الأولى : أنّ العنوان الأوّلي في مرتبة متقدّمة على الأمر والنهي ، والثاني في رتبة متأخّرة عنهما أو عن العنوان الأوّلي ؛ إذ الأوّل ملاك لجعل الأحكام وفي سلسلة عللها ، والثاني في سلسلة معلولاتها ؛ فإنّه لا يكون الفعل حسناً أو قبيحاً إلّاإذا أتى به بما أنه مطلوب أو مبغوض ، أو ذو مصلحة أو مفسدة .
الثانية : أنّه لا دخل للعلم والجهل في تحقيق العنوان الأوّلي وكون الفعل ذا مصلحة ومفسدة ، ولهما دخل في العنوان الثانوي ، فقتل عدوّ المولى ذو مصلحة ملزمة ، سواء علم القاتل بكونه كذلك أو أنّ المولى أمر به وهو مطلوب عنده ، أم لم يعلم ؛ بل ولو قتله بتخيّل أنّه ابن المولى أو أنّه نفسه . وشرب الخمر ذو مفسدة كذلك . وأمّا اتّصاف الفعل بالحسن والقبح فهو مشروط بعلم الفاعل وتوجّهه إلى كونه ذا مصلحة أو مفسدة ، أو مطلوباً أو منهيّاً ؛ ولذا لو قتل عدوّ المولى خطأ لم يتّصف فعله بحسن ولا قبح ، ولو قتله بتخيّل أنّه المولى أو ابنه اتّصف بالقبح ؛ فصدور الفعل حسناً أو قبيحاً تابعٌ لقصد الفاعل ، لا الواقع الثابت .
ثمّ إنّه بعد التوجّه بما ذكرنا يعلم أنّه لو أتى المكلّف الصلاة في الدار الغصبيّة أو مقارنة للإزالة الواجبة وقلنا بأنّ المفسدة فيها غالبة على المصلحة ، فحيث إنّه لم يتوجّه إلى النهي وأتى بالفعل ، اتّصف الصلاة في حقّه بالحسن ، ولم تتّصف بالقبح ، إلّاأنّها لم تخل عن المفسدة الموجودة فيها في صورة العلم ؛ إذ الفرض أنّ الجهل غير مانع عن ترتّب المفسدة ، فهذا العمل ذو مفسدة ، والحكم الواقعي تابع للملاك الواقعي ؛ فالحكم بالصحّة لا يخلو إمّا أن يستند إلى وجود الأمر ، أو إلى وجود الملاك ، وكلاهما باطلان ؛ إذ الأمر قد اختصّ بما لا تزيد مفسدته على مصلحته ، والملاك المغلوب بما هو أكثر منه لا يجعله ذا مصلحة .
هذا كلّه مبنيّ على القول بالبطلان بأحد الوجهين ، وحيث إنّا لم نقل بذلك ، فلا إشكال في الصحّة .