ولا اعتبار بمطلق الظنّ وإن كان قويّاً ، فالدهن واللبن والجبن المأخوذ من أهل البوادي محكومٌ بالطهارة ، وإن حصل الظنّ بنجاستها ، بل قد يقال بعدم رجحان الاحتياط بالاجتناب عنها ، بل قد يكره أو يحرم إذا كان في معرض حصول الوسواس .
شرح
قوله : ( ولا اعتبار بمطلق الظنّ وإن كان قويّاً . . . ) .
لعدم الدليل على حجّيّة مطلق الظنّ ، لو لم ندّع وجود الدليل على عدم حجّيّته ، كقوله تعالى : « وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ » « 1 » .
وقوله تعالى : « ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوهُ يَقيناً » « 2 » .
وقوله تعالى : « إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ » « 3 » .
وقوله تعالى : « وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْني مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً » « 4 » .
وقوله تعالى : « يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ » « 5 » .
وقوله تعالى : « إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ » « 6 » .
قوله : ( بل قد يقال بعدم رجحان الاحتياط . . . ) .
الاحتياط راجح عقلًا وشرعاً ، ولا يكون مرجوحاً أبداً بنفسه ، إلّاأن يكون سبباً لفعل مكروه أو ترك مستحبّ ، وحينئذٍ يدخل في الكلام اللاحق له .
ثمّ إنّ كونه معرضاً لحصول الوسواس لا يستلزم تحريمه ؛ فإنّ الوسواس - أعني الحالة النفسانيّة المانعة عن الإذعان للعلم والتسليم له ، أو المانع عن حصول العلم ، أو الموجب للعلم بالخلاف ، كمن غسل يده في كرّ وعلم بالطهارة ولا يطمئنّ لها نفسه ، أو لا يحصل
هامش
( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 78 .
( 2 ) . النساء ( 4 ) : 157 .
( 3 ) . الأنعام ( 6 ) : 116 .
( 4 ) . يونس ( 10 ) : 36 .
( 5 ) . الحجرات ( 49 ) : 12 .
( 6 ) . النجم ( 53 ) : 23 .