شرح
ثمّ إنّه يؤيّد ما ذكر من معنى الآية : قوله تعالى بعد ذلك : « لا تَبْديلَ لِخَلْقِ اللَّهِ » « 1 » فإنّ الذي يحكم بعدم قبول التغيير والتبديل إنّما هو ذلك الاستعداد الذاتي الداخل في حقيقة كلّ إنسان ، وأمّا الإسلاميّة الفعليّة ففي تبادل وتغيّر : « إنَّ الَّذينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبيلًا » « 2 » بل يؤيّده قوله « ذلِكَ الدّينُ الْقَيِّمُ » « 3 » فإنّ معنى ثبوت الدين واستحكامه دخوله في فطرة الناس .
وأمّا رواية : « ثمّ أبواه يهوّدانه وينصّرانه » : فكما ذكرنا في الآية الشريفة ، ويكون المراد من هذه الجملة أنّ الأبوين يغطّيان على تلك الفطرة الذاتيّة ، ويوجدان كفراً فعليّاً في المولود على خلاف إسلامه الذاتيّة ، كما أنّ الأبوين المسلمين يؤيّدان تلك الفطرة ، ويرشدان الأولاد ، ويهديانهم على طبق فطرتهم ، فيحييان الغريزة الذاتيّة .
وأمّا قوله عليه السلام : « الإسلام يعلو » : فلا إشكال في كون المراد منه علوّ الإسلام من حيث حقّيّة قوانينه الاصوليّة والأخلاقيّة والفروعيّة ، ومتانة تلك القواعد واستحكامها ، وتطابقها بما تقتضيه العقول ؛ فقوانينها عالية سامية تسمو على كلّ برنامج ديني أو مذهبي ، أو دستورات مدنيّة منسوبة إلى الدين والكتاب السماوي ، أو إلى ما وضعه البشر وأنشأته التفكيرات الإنسانيّة .
أو المعنى أنّ هذا الدين من حيث تماميّة حججه وكمال أدلّته المثبتة لُاصوله وفروعه يعلو على كلّ دين ، وعلى برهان إثبات كلّ مذهب من المذاهب .
لا أنّ احتمال الإسلام يرجّح في الشخص المشكوك على احتمال الكفر فيترتّب على المشكوك آثار الإسلام ؛ فإنّ هذا بمعزل عن التحقيق كما هو واضح . كما أنّه ليس المراد علوّ كلّ مسلم تكويناً على كلّ كافر .
وأمّا أخبار باب غسل الميّت وعمومها للمسلم والكافر ، ففيها : أنّ الدالّ على العموم
هامش
( 1 ) . الروم ( 30 ) : 30 . 2 . النساء ( 4 ) : 137 .
( 2 )
( 3 ) . الروم ( 30 ) : 30 .