شرح
محذوراً في التخصيص ، فيخصّص بالكثير ، ويبقى الجاري القليل تحت عموم المفهوم .
إن قلت : إذا كان الجاري القليل من الأفراد النادرة فإخراجه عن تحت المفهوم أيضاً لا يضرّ به ، ولا يستلزم استهجاناً .
قلت : إنّ المفهوم تابع للمنطوق في العموم والخصوص ، فاللازم من تخصيص المفهوم تخصيص المنطوق أيضاً ، فيلزم تخصّص قوله عليه السلام : « الماء إذا بلغ قدر كرّ لا ينجّسه شيء » بالماء غير الجاري ، وحيث إنّ الكثير الجاري من الأفراد الموجودة كثيرة يكون التخصيص مستهجناً ، فظهر بهذا أنّ تخصيص الجاري بغير القليل أولى من تخصيص المفهوم بغير الجاري ؛ فإنّ لازم ذلك تخصيص المنطوق أيضاً .
والجواب : أنّ الأدلّة الدالّة على انفعال الماء القليل على قسمين : ما يدلّ على الانفعال بعنوان القلّة أو الكوز أو الاناء ونحوها ، وما يدلّ على عدم انفعال الكثير فيدلّ بالمفهوم على انفعال القليل ، كما في صحيحة ابن مسلم : « إذا كانَ الماءُ قدرَ كرٍّ لم يُنَجِّسْهُ شيءٌ » .
أمّا الأوّل ، فنقول : إنّ نسبة أدلّة الجاري إليه نسبة الحاكم إلى المحكوم ، كما إذا ورد : لحم الغنم حلال ، وورد : يحرم الغصب والمتنجّس ونحوهما .
فقوله : كلّ ماء قليل ينفعل ، كأنّه حكم حيثي وارد على ذلك الموضوع المحدود . وقوله عليه السلام : « الجاري لا ينجّسه شيء » حكمٌ تعليلي يصرح أو يشعر بعلّيّة الجريان لعدم الانفعال . وكذا قوله عليه السلام : « لأنّ له مادّة » تعليل لبيان أنّ وجود المادّة علّة لعدم الانفعال ، فهذا النحو من البيان لدى العرف مقدّم على ما يعارضه بدواً ، فهو حاكم مقدّم ، ولا يلاحظ النسبة بينهما أصلًا ، كما لا تلاحظ بين الدليلين في المثال السابق .
وأمّا الثاني ، فنقول : إنّ المفهوم على ما تقرّر في الأصول حكم غير مذكور يستلزمه الخصوصيّة الموجودة في الحكم المذكور ، والخصوصيّة هنا إشعار المنطوق بالعلّية ؛ فظهور المنطوق في كون البلوغ إلى مقدار الكرّ علّة منحصرة في عدم الانفعال مستلزمٌ لعدم ذلك الحكم عند عدم الشرط ، وحيث أثبتنا ظهور أدلّة الجاري في العلّيّة أيضاً كان اللازم من