( مسألة 19 ) : لا يجوز تقليد غير المجتهد وإن كان من أهل العلم ، كما أنّه يجب على غير المجتهد التقليد وإن كان من أهل العلم .
شرح
فإنّ أحدهما كان حجّة في حال العمل ، والآخر في حال الرجوع ، ولم يعلم بطلان حجّيتهما وتخالفهما للواقع عند الرجوع .
وعلى أيّ فاللازم الرجوع إلى الثاني ؛ إذ فتاوى الأوّل وإن كان حين العمل حجّة له ، إلّا أنّ الفرض عدم التفاته إليها أصلًا ، والحجّة غير الملتفت إليها لا تصير حجّة فعليّة ؛ فلو شرب العصير جاهلًا بحرمته شاكّاً مثلًا ، وكان في الواقع حراماً ، يؤاخذ على فعله ، وإن كان لو تفحّص كان واصلًا إلى فتوى بجوازه حجّة له معذرة . فالفتوى من السابق لم تكن حجّة عند وجودها ؛ لعدم الالتفات ، وليست بحجّة فعلًا أيضاً بعد وجود المجتهد الفعلي ؛ فاللازم ملاحظة الأعمال مطابقاً لرأي الفعلي .
نعم ، لو كان العدول من جهة موت الأوّل ، وكان الثاني مساوياً له في الفضيلة ، وقلنا هنا بالتخيير حتّى على القول بعدم التفات الشخص إلى فتوى الميّت في حال حياته ، أو إذا كان الميّت أعلم ، وقلنا بوجوب البقاء ولو لم يلتفت إلى فتاواه حين الحياة ، كان اللازم هنا تطبيق الأعمال على فتاوى الميّت .
قوله : ( لا يجوز تقليد غير المجتهد وإن كان من أهل العلم . . . ) .
الاجتهاد هو الملكة على استنباط الأحكام عن أدلّتها ، فإن كانت حاصلة في جميع أبواب الفقه كان صاحبها مجتهداً مطلقاً ، وإلّافمتجزّياً ؛ فالمطلق صاحب الملكات ، والمتجزّي صاحب الملكة في الجملة .
وهذا ، كملكة الفصاحة والشجاعة والعدالة والسخاوة ، فربّ إنسان فقيه يقدر على استنباط بعض المسائل وبعض الأبواب ، دون البعض . فمن ليس له الملكة أصلًا لا يجوز تقليده ويجب له التقليد لغيره ، ومن له الملكات كان له أن يعمل برأيه ، ولم يجز له الرجوع إلى غيره ، موافقاً له في الفتوى أم مخالفاً ، وجاز لغيره العمل برأيه ، وكان له القضاء في المخاصمات .