شرح
[ الفرع ] الثاني : الظاهر أنّه ليس لصاحب اليد الصحيحة بذل يده للقصاص ، وليس للمجنيّ عليه أيضاً قطعها قصاصاً ؛ فإنّه لا يستحقّ إلّاالدِّية ، فالبذل هنا كبذلها من غير سبق جناية ، وكما لو بذل الحُرّ نفسه للقصاص منه للعبد ، والمسلم للقصاص منه للذمّي ، فإنّ بذلهم غير مسوّغ للقطع بعد تحريم إلقاء النفس للتهلكة ، والتسبيب لقتلها وقطع أعضائها ، وقد صرّح بذلك العلّامة « 1 » والشهيد الأوّل والثاني قدس سرهم . « 2 »
وعليه ، فلو اقتصّ المجنيّ عليه فهل يوجب القصاص أو الدية ؟
فيه تفصيلٌ ، فنقول :
لا يخلو إمّا أن يكون القاطع والمقطوع عنه عالمَين بالحكم ؛ أعني عدم جواز القصاص ، أو جاهلين ، أو مختلفين .
والظاهر دوران القصاص وعدمه مدار علم القاطع بالحكم وجهله ، وعلى هذا فيثبت القصاص أو الدية في صورة علمه ، كان الجاني أيضاً عالماً به أم جاهلًا ؛ لصدق الجناية العمديّة في حقّه . وبذل المقطوع عنه يده عصياناً لا يرفع تكليف القاطع ، ولا ينفي موضوع حكمه ؛ ففي جهله بالحكم أولى . وعدم ثبوت القصاص في صورة جهل القاطع ، كان المقطوع عنه أيضاً جاهلًا أو عالماً ؛ وذلك لكون القصاص من الحدود ، وهي تُدرأ بالشبهات ، وهذا في صورة جهلهما أوضح ، ومع علمه يكون تغريراً للقاطع أيضاً .
وأمّا ثبوت الدية في هاتين الصورتين ففيه أيضاً إشكال ، فما عن المبسوط والقواعد وكشف اللثام من قولهم : « ولكن لا يضمن القاطع مع البذل شيئاً وإن أثِم واستوفى حقّه للأصل » « 3 » غير سديد ؛ لما عرفت من وجوب القصاص أو الدية ، وأنّه لا معنى لعدّ ذلك استيفاءً ، وأنّ الأصل لا يجري مع وجود الدليل .
هامش
( 1 ) . قواعد الأحكام ، ج 3 ، ص 632 ؛ تلخيص المرام ، ص 345 .
( 2 ) . اللمعة الدمشقية ، ص 271 ؛ الروضة البهيّة ، ج 10 ، ص 77 .
( 3 ) . المبسوط ، ج 7 ، ص 84 ؛ قواعد الأحكام ، ج 3 ، ص 632 ؛ كشف اللثام ، ج 11 ، ص 180 .