تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التعليقة الإستدلالية على شرائع الإسلام — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
شرح
وثالثاً : بفحوى ما دلّ على أنّه لو قتل القاتل أجنبيّ أو مات اخذت الدية من تركته . ورابعاً : بأنّه إذا كان للوليّ الواحد القصاص والعفو والدية ، فليكن للمتعدّد أيضاً ذلك . ولا يخفى عليك ضعف الوجوه المذكورة وعدم إثباتها المطلوب : أمّا الأوّل : فلأنّه يشبه الاستدلال في مقابل النصّ الثابت ؛ إذ بعد حكم الشارع بعدم جواز مؤاخذة الجاني بأكثر من نفسه ، لا يبقى وجه لمطالبة ما زاد على نفسه . وأمّا الثاني : فيعلم ما فيه من ملاحظة النسبة بينه وبين نصوص عدم جناية النفس بأكثر منها . وتوضيح ذلك : أنّ قوله : « لا يبطل دم المسلم » مسوقٌ لبيان عدم جواز حرمان الوليّ عن القصاص والدية كليهما بحيث يذهب الدم هَدراً ، لكن لا تعرّض فيه على تعيّن أحد الأمرين ، ولا على المأخوذ منه الدية بعد فرض ثبوته هل هو الجاني في تركته ، أو عاقلته ، أو أقاربه كما ورد في بعض موارد القتل ، أو الإمام ، أو بيت مال المسلمين . وعليه فلا تنافي بين عدم جناية الجاني بأكثر من نفسه وعدم بطلان دم المسلم ؛ إذ الأوّل ينفي ثبوت الدية في ماله ، والثاني يحكي عن أصل الثبوت ، فيجمع بينهما بالحكم على الثبوت في غير تركة الجاني . وإن أبيت إلّاعن دلالة الأوّل على عدم الدية مطلقاً ، فهما متعارضان ، فنقول : إنّ بين الدليلين عمومٌ من وجه ، ومورد افتراق الأوّل قتل المرأة الرجل ، والعبد الحُرّ ، والذمّي المسلم كما سمعت ، ومورد افتراق الثاني وجود القتيل في الزحام ، وفي قُرب القرية ، وبين القريتين ، وفي البلدان ونحوها مع عدم اللوث ومع قسامة المتّهمين في مورد اللوث وغيرها . ويكون محلّ البحث مورد الاجتماع ، فيتعارضان ، ويقدّم دليل نفي الدية ؛ لأقليّة مصاديقه ، مع ورود التخصيص على مقابله ، فإنّ قوله تعالى : « فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ » « 1 » يدلّ على عدم ثبوت الدية على المؤمن المقتول بين الأعداء .
هامش
( 1 ) . النساء ( 4 ) : 92 .