شرح
لا لأنّ أصالة عدم قصد القتل مع العلم بأصل الجناية يحرز بها موضوع شبه العمد وإن كان ذلك أيضاً دعوى غير مجازفة ، بل لأنّه يستفاد من أدلّة الباب أنّه كلّ ما لم يمكن فيه القصاص ولو لخصوص الإجمال فيه ودرئه بالشبهة ، ثبتت فيه الدية ؛ لئلّا يبطل دم المسلم .
وأمّا الصورة الثانية : وهو دعوى القتل المطلق المردّد بين كونه عمداً أو خطأً محضاً : فإن أوضحه وفسّره بمعيّن من الأمرين ثبت ذلك بقيام البيّنة ، وإن لم يبيّن أو صرّح بإجماله - كما لو قال : إنّه قتله برمي السهم ونحوه بقصد القتل لكن لم أعلم كونه قاصداً إيّاه ، أو شخصاً آخر كان معه - فالظاهر سماع الدعوى أيضاً ؛ فيتردّد الأمر بين ثبوت الدية على القاتل وثبوتها على عاقلته ، فإنّ القصاص لا يثبت مع الإجمال .
وأصالة عدم تعلّق قصد الضرب وقصد القتل بالمجني عليه لنفي القصاص والدية يعارضها أصالة عدم تعلّق الدية على العاقلة في نظر الحاكم كما ذكرناه ، وإجراؤهما معاً سببٌ لبطلان دم المرء المسلم ؛ فللحاكم أن يحكم بالثبوت في الجملة ، ثمّ يوزّعها بين القاتل وعاقلته ، أو يعيّن المطلوب منه بالقرعة ، أو يحكم بما يراه صلحاً بين الطرفين ، أو يؤدّي الدية من بيت المال .
وأمّا الصورة الثالثة : وهي دعوى القتل المردّد بين الخطأ شبه العَمد والخطأ محضاً - كما إذا قال : إنّه قتله بالضرب غير قاصد لقتله ولم أعلم أنّه كان قاصداً لضربه ، أو لضرب غيره فأخطأه - فتسمع الدعوى ، ويكون حكمها حكم الصورة السابقة ؛ لدوران الأمر بين لزوم الدية عليه أو على عاقلته .
وأمّا الصورة الرابعة : وهي دعوى القتل مطلقاً المردّد بين المحتملات من أنواعه ، فقد يُقال بعدم السماع ؛ فإنّ الأثر المترتّب عليه - وهو الأمر المردّد بين قصاص القاتل ، وأخذ الدية منه ، وأخذ الدية من عاقلته - ليس ممّا يصلح البحث عن ثبوت موضوعه وعدمه .
لكنّ الظاهر أنّه تسمع هذه الدعوى أيضاً ، فإذا قامت البيّنة حكم الحاكم بثبوت أصل القتل وصدوره من القاتل ، وحيث إنّه لا قصاص فيه للجهل بموجبه يتبدّل بالدية ،